8.8.18

وهنًا على وهن.. خواطر أم حامل


(1)
 لماذا أمّ حامل لا امرأة حامل؟.. لأنّ الأمومة بدأت من لحظة الحمل، ولأن خياراتك بدأت تتأثّر من كونك حامل لجنين في بطنك، عليّ أن أقول بأنّني بدأت بمعرفة ما معنى أن أكون أمًّا، وما هي الحياة التي تنتظرني من تلك المرحلة.. المزاج المتقلّب والإرهاق دون سبب، الأرق، ونوع الطّعام الّذي ولسبب ما أصبح سيئًا وآخر أصبح مطلوبًا لدرجة الهوس.. هنا بدأت أفكر إن كان وليّ العهد الموقّر لم يأتِ بعد، فماذا بعد أن يأتِ؟ وكيف ستتغيّر أولوياتي وقراراتي واختيارتي وما أحبّ وما أكره.

(2)
في بداية الحمل كنت أتخوّف الإجهاض، أبحث عن أسبابه لأتجنّبها، المشروبات والمأكولات المحظورة، التحرّكات والمزاجات وغيرها.. ثم فكّرت، هل مرور الأشهر الثّلاث الأولى كافٍ لكي لا أشعر بالقلق؟ في الواقع لا، تنتظرني أسئلة أخرى ستقلقني عن حال الجنين وحركته وصحة بدنه وسلامة عقله وتمام شكله.. طيب هل مروري بمرحلة الحمل يعني توقفي عن الشّعور بالقلق؟ أوه.. عمليًّا لقد بدأ القلق.. طيّب حين يكبر طفلي ويصبح شابًّا بالغًا راشدًا هل سأتوقّف عن القلق؟ طبعًا لا، سأقلق لو تأخّر يومًا عن البيت، وسأقلق أن يصيبه مكروه. سأقلق على تعليمه وعمله وزواجه وأبنائه.. ولن أتوقف عن القلق! فإذا لماذا أقلق؟ .. "قل لن يصيبنا إلا ما كتبَ الله لنا هو مولانا"


(3)
متى ستمرّ الثّلاث الأشهر الأولى؟ متى سأعرف جنس طفلي؟ متى سينتهي الشّهر السّادس.. الثّامن .. متى سأنجب؟ ربّما هذا الشّوق يجعل المرأة تستعجل حدوث الأشياء، فكّرت في "خضمّ شوقي هذا" بأنّني سأشعر نفس الشعور حين يأتي طفلي. متى سيمرّ الشّهر الأوّل؟ يقال بأنه الأصعب!.. متى سيبدأ طفلي بالحبو، المشي، الكلام.. متى سيدخل الرّوضة والمدرسة والجامعة؟! .. إذًا وكما أنّ القلق لن يتوقف فالشّوق لن يتوقف.. الشّوق لتجارب أخرى وإنجازات أكبر لأطفالنا، ثمّ يأتي يوم ما ونحنُّ للأوقات الّتي مرت! إذًا بدلًا من أن نقضي وقتنا بانتظار تجارب جديدة، ما رأيكن أن نستمتع بالتّجربة الآن؟!

(4)
ولد أم بنت؟ لنقل أوّلًا بأنّني أتحيّز للبنات لأسباب ثقافيّة ونفسيّة من الدّرجة الاولى، لكنّني -على الأقل حتى كتابتي هذه الكلمات- لا أهتمّ كثيرًا بجنس المولود، قيل لي بأنّ البعض قد يجهّز غرفة طفلة فيفاجئون بصبيّ أو العكس. في الواقع لا أفهم لم يجب أن تبدأ عملية "تلوين" الأشياء حسب الجنس، ولا أفهم لم يجب أن تكون السّنوات المبكّرة عند الأطفال لدى الجنسين مختلفة. أريد أن تكون الغرفة محايدة "جنسيًّا"، وتركّز على رفع قدرات الطفل البدنيّة والعقليّة بدلًا من أن تكون غرفة لا يرى فيها الطّفل إلا لونًا واحدًا ونظريّة واحدة وعقليّة واحدة.

(5)
يدور جدل كبير حول الأمومة وتطوير الذّات والتّناقض بينهما، وبين التّضحية كونها أكبر مدمّر للذات، لكنّني أقول بأنّ الأمومة -وككل تجربة أخرى- هي فرصة لتطوير الذّات أيضًا، ربما تحديد الأولويات ستكون مهارتي الأولى، تنظيم الوقت والمرونة.. الكثير من المرونة. إنّني من النّوع الذي يضع مهام كثيرة ويشعر بالذّنب إن لم ينجز أغلبها خلال اليوم، الأمومة ستعلّمني مهارة المرونة، ومنها سأتعلّم كيف لا أجلد ذاتي دائمًا ولا أسعى للمثاليّة (في الواقع الشّعور بالذّنب عند الأمّهات عالٍ أيضًا، بل قد تزيد الأمومة الأمر تعقيدًا إن لم تحسن المرأة التّعامل مع التّغيّرات في حياتها!)، قد تزيد عندي مهارة الصّبر، مهارة التّعاطف، وربما يتحسّن ذكائي العاطفيّ.. في الواقع مهارات كثيرة ستتحسن، الأمومة ليست شيئًا عطائيًّا فقط، نحن نأخذ.. المزيد من المهارات.. المزيد من المسؤوليّات.. المزيد من القرارات.. والمزيد من تطوير الذّات!

(6)
شاهدتُ مرةً فيلمًا قصيرًا يعرض تطوّر الطّفل في رحم أمه.. وبكيت.. بكيت لأنّني ممتنة لله بأنّه جعلني أنثى وجعل تلك المعجزات تحدث داخلي. بكيت لأنّني تذكّرت بأنّني من ماءٍ مهين وبأنّني أطغى وأنسى وأجحد. بكيت لأنّني تذكّرت حقيقة الحياة، حقيقة بأنّه تعالى خلقنا في كبد.. في تعب وإرهاق وابتلاءات ومصائب حتى يكون المخاض بكل هذا الدّفع وبكلّ تلك القوّة. بكيت لأنّني تذكّرت بأنّ المخاض صعب وبأنّنا نواجه الحياة بالبكاء والصّراخ، لكنّه سيأتي يوم لننعم ونحيا ونضحك ونستمتع. بكيت شوق الأمومة الّذي يشدّني كلّما انهالت عليّ رغباتي الأخرى.. ربنا اتمم لنا نورنا..

(7)
لقد تعلّمت أن أصمّ أذني عن كلّ ما لا تفتئ تحدّثني عن صعوبة الأمومة، وعن قلّة النّوم والصّداع والتّعب والأرق. لقد سمعت ما يكفي عن الزّواج وعن الرّجال وعن قلة الوفاء وعن "كلّه كذب" ، وعن "استمتعي بالخطبة قبل أن تتزوّجي" والواقع أننّي وجدت الزّواج أجمل من الخطوبة، وأقرب وأكثر مودّة ورحمة وحبًّا. إن كان كلّ ما تتوقّعه المرأة من الزواج بدلة العرس وشهر العسل والكثير من الهدايا، وإن كان كلّ ما تتوقّعه المرأة من الأمومة الغرفة الجميلة والملابس الفاخرة والصّور الأنيقة والتّعامل مع الأطفال كدمى نلبسهم أحسن الثياب فستكون أفشل تجربتين تخضوهما المرأة. إن ما يجعلنا نستمتع حقًّا في أيّة تجربة أن نتسائل عن صعوباتها ومشاكلها وجمالها وأن نستمتع بها في آن. أن نتوقع الأسئلة التي لن نجد لها إجابة وقت الضّغط، وأن نحاول حلّ المشاكل قبل أن تقع، وأن نستمع للتّجارب، لكن لا إلى البائسين! 

(8)
تقول لي إحدى الأمهات أن أنام قدر ما أشاء وآكل قدر ما أشاء، لأنّه ستأتي عليّ أيام لن أنام فيها ولن آكل بشكل مريح. أتفهّم فكرة بأنّ الأطفال يغيّرون من يوم المرأة وشكل برنامجها مقابل حياتها السّابقة، وأعرف تمامًا بأنّه وبسبب الرّضاعة أو آلام التّسنين فإنّني سأسهر وأتعب .. لكن أنا لا أتفهّم ذلك الانصهار الّذي يحدث للمرأة بعد إنجابها، دائمًا أذكّر أمّي كيف كانت تُشعرنا بأنّ قيلولتها هي شيء مقدّس يجب الحفاظ على الهدوء فيه تمامًا، وكيف أنّها كانت ترفض أن تعطينا قطعة كعك أو شوكولاطة إضافيّة بعد أن نتقاسمها ونطمع فيما في يدها لأنّها "أمّ"، كانت تقول ببساطة: "وأنا يمّا جاي عبالي"، أقول لأمّي بأنّ هذين الموقفين هما أكثر موقفين جعلانا نقدّر أمّي ونحترمها، ولا نتعامل معها كأنّها إنسانة خارقة تفعل ما تشاء من أجل أبنائها، لقد رأيت بعض النّماذج لأمّهات ممّن "نذرن حياتهن" من أجل أبنائهنّ، فكلّ شيء مُلبّى وكلّ شيء جاهز وكلّ شيء مطاع، والواقع بأنّ تلك المسكينات لم تجدن لا تقديرًا ولا امتنانًا ولا شكرًا، لأنّ هذا العطاء بدا مفهومًا ضمنًا، وبدأ التّعامل مع الأمّ كأنّها ماكينة مضحيّة تفعل كلّ شيء من أجل أبنائها، ولو على حسب صحتها ونفسيّتها. 

(9)
"الحمل ليس مرضا" هذا ما أكّدته لي الممرّضة المرافقة خلال حملي، هل هذا جدير بالتّأكيد؟ ظننته مفهومًا ضمنًا، أظنّ بأنّني قرأت جملة كهذه في مقال أيضا. الوسيلة الوحيدة لنتكاثر وننمو كبشر تحتاج تأكيدًا مستمرًّا بأنّها ليست مرضًا، أفكّر في طبيعة الأفكار المنتشرة بين الثقافات حتى تُذكر جملة كتلك.
وعلى ذكر أنّ الحمل ليس مرضا، فإنه يتشابه مع المرض في شيء، عندما تكون في صحّة ممتازة فأنت لا تشعر بجسدك، لا تحسّ بعظامك ولا أسنانك ولا مرونة حركتك، عندما تمرض شيء ما يذكرك بوجود مشكلةٍ ما، وبوجود عضو ما يعاني أمرًا، بعد فترة قصيرة من التعافي تبدأ باستشعار جسدك بشكل أكبر، ورويدًا رويدًا تعتاد الصّحة ولا تشعر بجسدك. الحمل أيضا يجعل المرأة أكثر شعورا وانتباها لجسدها، تغييرات كبيرة على المستوى الفسيولوجيّ والنفسيّ، الوزن وحجم الأعضاء والتّشنجات والحركة وحتى التّنفس، كل ذلك يجعل المرأة اكثر استشعارا بجسدها. وهذه تجربة مثيرة حقًّا، أن نشعر بأجسادنا ونحن في صحّة تامّة، نعم نحن نتألّم ربما، وقد ننزعج أحيانًا، لكنّ الصحّة لا تعني دائمًا عدم الشّعور بالألم والانزعاج.

(10)
أستطيع أن أقول بملأ الفم أنّ الحمل وبالذّات في الثّلث الأخير هي مرحلة صراع البقاء، كلّ الأشياء الرّوتينيّة تبدو أكثر صعوبة وتعقيدًا، ارتداء الجوارب والحذاء -أعزّكم الله- أشبه بمعركة حربيّة صعبة، أمّا السّجود ومحاولة التقاط شيء من الأرض فأشبه بمحاولة اختبار لمدى قوّة تنفسّك.. فسبحان الّذي أحسن الوصف حين قال: وهنًا على وهن..
ربنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )