1.8.18

الحوار القرآنيّ: كيف نحاور المختلف؟





هذا المقال هو محاولة متواضعة لفهم كيفيّة عرض القرآن الكريم للحوار مع المختلف أي الكافر والمشرك، وأعتقد بأنّ الأمر يحتاج لمراجعة كلّ حوار على حدة، لنفهم السّياق والسّبب لطرق الحوار، فمثلًا حوار سيّدنا إبراهيم عليه السّلام مع أبيه سيختلف قطعًا عن حوار سيّدنا موسى عليه السّلام مع فرعون، أو سيّدنا صالح عليه السّلام مع قومه وهكذا.. لكن فكّرت في جمع بعض الآيات ليكون لنا تصوّر معيّن عن محاورة "المختلف"، كيف تكون؟ وبأيّ صورة؟ وماذا يُمكن أن نتعلّم من كلّ أسلوب؟

  
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ
تتكرّر هذه الصّيغة أو ما يشابهها في محاورة الأنبياء مع الكفّار، هذه الآية هي من الأساسيّات الّتي يجب أن ينطلق المسلم من خلالها في حواره مع الكافر أو "المختلف"، وليس الأمر هنا يقتصر على فكرة تبيين أنّ محاورتنا للمختلف تعني بالضّرورة بأنّنا نريد مالًا أو أجرًا، لكن أن نبيّن أن قناعاتنا مختلفة، ونوايانا مختلفة، ومقاصدنا مختلفة عن تلك المصالح المنتشرة مجتمعيًا. يقول الأنبياء لقومهم: أنتم تتوقّعون بأنّ سبب جهرنا بهذا الأمر بأنّنا نريد مالًا أو منصبًا لكن لا.. دعونا نبيّن لكم معايير أخرى تختلف عن معاييركم وتقديراتكم.

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
هذه الآية تبيّن تعامل الأنبياء مع الشّخصنة، مع الافتراءات الكاذبة والإشاعات، يبيّن لنا هذا التّعامل سلاسة في الرّدّ وعدم تحميل الأمر أكثر من رد مثل "يا قومِ ليس بي سفاهةٍ"، فلم يقل مثلًا "بل أنتم بكم سفاهة"، بل عاد حيث الهدف الرئيسي، وهو أن يعرّفهم بأنّه رسول من ربّ العالمين، أمّا جدال من أسفه مِن مَن؟ ومن أفضل من من؟ ومن أشرف من من؟ فلم تأخذ حيّزًا من تفكير الأنبياء. إعراض عن كلامهم ثمّ إعادة تكرار لرسالتهم الأصليّة.

إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
كنت كلّما قرأت هذه الآية أقول لمَ لم يبيّن سيّدنا إبراهيم قصده؟ لمَ لم يقل لم يكن هذا الّذي قصدته في الإماتة والإحياء؟ لمَ لم يجادل؟ لمَ لم يناقش الأمر بشكلٍ أكبر ويوضّح قصده بشكلٍ أفضل؟ بالتأكيد الأمر لا يعني بأنّه يمكنه أن يقتل شخصًا ويخلّي سبيل آخر، لكن نرى بأنّه سريعًا جاء الانتقال إلى حجّة أخرى، حجّة تبهت الكافرين ولا تشتّت عقل المؤمنين بالجدال العقيم. أحيانًا نكون على حقّ، أحيانًا يُساء فهمنا ويظهر الأمر وكأنّه تمّ "إفحامنا" بردود الآخرين. هذا الشّعور الشّخصيّ بالرّغبة في تبيين كلّ شيء قد يؤدّي لاحقًا إلى جدالات عقيمة تتحوّل إلى جدال من على حق؟ وماذا قصدت هنا وماذا قصدت هناك! ونعود لمراء وجدال وشخصنة لا تنتهي..  سيّدنا إبراهيم يعلّمنا أنّه لا وقت لهكذا معارك.. إن أسيء فهمنا فلننتقل لحجّة أكبر.. ببساطة متناهية!

 اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
هذا فرعون الّذي قال "أنا ربّكم الأعلى" يقول الله تعالى لعبده موسى عليه السّلام أن يقول له قولًا ليّنًا، أين نحن من اللّين وحُسن الخلق في محاورتنا الأولى مع "المختلف"؟

 قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ
"بشر مثلكم" هكذا بتواضع الأنبياء يقول، ثمّ يقول "يوحى إليّ" يفصّل تفضله عليهم، ماذا يميّزه عنهم حتّى يتّبعوه؟ يعلّمنا ذلك أن يكون عندنا تواضع الأنبياء في المحاور: نحن مثلكم بشر، ثمّ عزّة المسلمين في الرّد: عندنا القرآن، عندنا الإسلام، عندنا منهج مميّز.. نعم نحن بشر، لكن أيضًا نحن خليفة الله على أرضه.  

قلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
دعوة للتفكّر ودعوة للتّدبّر، لمن تُقال؟ للكافر! يخاف البعض من تفكير أخيه المسلم "المختلف عنه" ويدعوه ليتّبع الشّيخ الفلانيّ حتّى لا "يتشتّت" ويضيع! وهُنا يُقال لكّفار يعبدون الأصنام أن يتفكّروا! سبحان الله!  ..

وَإنّا أو إيّاكمْ لعَلى هُدىً أوْ في ضلال ٍمبين
هذه الآية تبيّن وكأنّ العلاقة بين الكافر والمسلم، أو حتّى النّبيّ والمشرك هي علاقة متساوية، أحدنا فائز، والآخر خاسر، تبيّن أنّ هناك "مناظرة" ما بين الفريقين، وهذا يجعل التأثير فيهم أكبر وأشدّ.  
 
 إنّي أخافُ عليكم عَذابَ يوم ٍعظيم ٍ ، يا أبت إنّي أخاف..
تبيّين المشاعر هي إحدى السّبل في التأثير في المختلف، الأمر لا يتوقّف فقط عند البراهين والأدلّة العقليّة. المشاعر لا تعني بأنّنا ضعاف وبأنّنا نفضّل النّاس على عقيدتنا، بالعكس، تبيّن رقّة المشاعر عند الإنسان المسلم.  يعلّمنا الأنبياء عليهم السّلام أن نبيّن تلك المشاعر لمن يخالفنا ولا نخجل منها.

أخيرًا أحبّ أن أؤكّد بأنّ الدّعوة تختلف في كلّ حالةٍ وعند كلّ قوم، ولكنّي أعتقد بوجود شيء مشترك ننطلق من خلاله في محاورة المشركين أو الكافرين، ولاحظوا بأنّي أقول "محاورة" والآيات الّتي ذكرت كانت خلال مرحلة المحاورة، فهناك مراحل أخرى بعد عدم اتّباع النّاس للرّسل، ولذلك لا يعني الأمر بأن نستمرّ بنفس الأسلوب في تعاملنا معهم. 


شاركوني أفكاركم ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )