9.7.18

سنة أولى زواج ..

في نهاية هذا الشّهر نتمّ -بفضل الله تعالى- أنا وعمر عامنا الأوّل في الزّواج، وأريد في هذه التّدوينة أن أعرض بعضًا من خواطري وأفكاري حول تلك التّجربة الغنيّة الثّريّة .. 


(1)

تقول الأمّهات عادة حكمًا مكرّرة عند زواج بناتهن، لكنّني لا أزال أذكر حكمة لأمي جديرة بالتّوثيق، قالت لي بأن لكلّ عائلة قيمًا ما، وبأننا حتى لو اتّفقنا في درجة التديّن والعادات المتّبعة فإنني سأجد قيمًا مختلفة عند زوجي وعائلته، وهذا الاختلاف لا يعني بأنّهم لا يحملون قيمي أو بأنّني لا أحمل قيمهم، بل يعني بأن أولوياتنا في القيم الأكثر أهمية مختلفة.
 مثلًا، ربّما كانت القيمة المهمّة عند إحدى العائلات هي قيمة التعلم، فهي تهتمّ أن يكون أبنائها متعلّمين وخرّيجي معاهد أكاديميّة، زواج امرأة غير متعلمة لأحد أفراد هذه العائلة قد يسبّب حساسيات معينة، أو حتّى مشاكل! وحتّى لو كانت متعلّمة ولم تهتمّ بأن يكون أبنائها ذوي علامات مرتفعة في المدرسة فإنّ هذا قد يعني بأنّها "أمّ غير جيدة".
قيمة أخرى وقد يتّضح المثال أكثر هنا، كونها منتشرة في كثير من العائلات العربيّة هي قيمة التّرابط الاجتماعيّ، فيتمّ تقييم الزّوجة وفقًا لمشاركتها في المناسبات العائليّة والزّيارات وغيرها، وعدم مشاركة الزوجة في تلك المناسبات يعني بأنها غير مهتمّة بإقامة علاقات جيّدة مع العائلة وبأنّها مقصرة. هناك قيم كثيرة، كقيمة الخصوصيّة مثلًا ومدى تدخّل عائلة الزّوج بالزّوجين، أو قيمة العمل والاستقلال المادّي والاستثمار، وغيرها من القيم.
الزّوجة قد تعتقد بأنّها إن تصرّفت وفق قيم عائلتها هي فسيمكنها أن تكون "زوجة مقبولة" ومرحّب بها، وهذا خطأ، ولذا من المهمّ أن تفهم الفتاة عند خطبتها ما هي القيم المهمّة في تلك العائلة؟ وما هي القيم المهمّة عند خطيبها؟ وهذا سيساعدها في اتّخاذ القرار المناسب أصلا. ولا شكّ بأنّ القيم قد تصبح سلبيّة وضاغطة وربّما لا يصحّ أن نطلق عليها قيمًا أصلًا، فقد تزداد قيمة العمل والمال لدرجة كبيرة ومرفوضة دينيًا، وقد تزداد قيمة التّرابط الاجتماعي حتى تُهمَل القيم الأخرى، بل وتزداد معها مظاهر المبالغة والإسراف، فلذا من المهم رصد تلك القيم قبل الإقدام على الزّواج، ثمّ محاولة فهم أهمّيّة هذه القيمة عند الزوج وعائلته، وتطبيقها دون مبالغةٍ أو إهمال لقيم الزّوجة.



(2)
الزّواج -وخاصة للمرأة في المجتمعات الشّرقيّة كونها تنتقل لعائلة جديدة لا فقط تنتقل للعيش مع زوجها- هي فرصة لمراجعة قيمنا، عاداتنا، يوميّاتنا، مشاعرنا.. لأنّه ومع مرور الزّمن يبدو كل ما نفعله مفهومًا ضمنًا وعاديًّا، فنحن اعتدنا على نمط حياتنا وعائلاتنا اعتادت علينا بطبيعة الحال، وقد نشترك نحن وعائلاتنا أصلًا ببعض العادات والقيم واليوم المتّبع. ثم فجأة نكون بمكان آخر تماما، حياة مختلفة، عادات مختلفة وقيم مختلفة، وتبدأ الأشياء المفهومة ضمنًا لتكون شيئًا يستحقّ التأمّل والنّقاش، ليس فقط ذاتيًّا، بل مع الزّوج والعائلة أيضًا.
لماذا نفعل ونفكّر بطريقةٍ ما في حين لا يفكّر أزواجنا مثلنا؟ لماذا نهتمّ بهذه الجزئية وتبدو غير مهمّة في محيطنا؟ لماذا عادات النّوم، الأكل، الخصوصيّة، التعبير عن المشاعر، المناسبات، الاجتماعيات.. مختلفة؟ هذه فرصة رائعة جدًّا لنراجع أنفسنا في قيمنا وعاداتنا وتفاصيلنا الصّغيرة، هي فرصة لنتعرّف على ذواتنا بشكل أكبر، قد نجد ما نقدّر به أنفسنا ونعتبر تلك الصفة -الّتي لم ننتبه لها سابقًا- شيئًا يستحقّ الاحترام والتّقدير، وقد ننتبه لسلبيّة ما تجذرت فينا دون أن ندري فنحاول إصلاحها. فالزّواج ليس فرصة للتعرّف على الزّوج بشكل أعمق فحسب، إنّما فرصة للتعرّف على ذواتنا.

(3)
أي حديث عن "تمازج" روحين بروح واحدة في الزّواج هو حديث فارغ، وأعتقد  بأنّ العلاقة الّتي فيها تنوّع واختلاف هي أثرى وأغنى، صحيح بأنّ هناك حاجة كبيرة لوجود شيء مشترك بين الزوجين، لكنّه شيء مملّ حقًّا لو كان الزّوجان متشابهان في كلّ شيء. والزّواج لا يجب أن يسلخنا من شخصياتنا وطرق تفكيرنا ونمط حياتنا لأنّنا بذلك نخسر أنفسنا، إنّما الأصل أن يكون الزّواج سبيلًا لتطوّر ذواتنا ونمائها.
 من الطّبيعي أن تتغيّر آراءنا ونظرتنا للأمور مع الزّمن، خاصّة مع دخولنا تجربة جديدة وعميقة كالزّواج، لكن إن كان التّغيير سريعًا وكبيرًا فهذا أمر يدعو للتّساؤل حول مدى اقتناعنا حقيقة بهذه الأفكار.

(4)
في الواقع لا أجمل من كسر "البروتوكولات" والعادات المتّبعة وفعل ما نؤمن به حقًّا، ابتداءً من العرس وتحضيراته مرورًا بطبيعة العلاقة بين الزّوجين وانتهاءً بتّربية الأبناء وانتهاج نهج معيّن في الحياة. كتبت بعد أيام من عرسي:

لا جمال بدلة العرس ولا الأغاني ولا فخامة القاعة ولا جمهرة الناس وتصفيقهم يمكن أن يتساووا مع رضاك لليلة عرس أقمتها وفق قيم ومبادئ دينك، لقد فعلت أشياء وكسرت بعض البروتوكولات في ليلة سهرتي، عادات قيل لي بأنني إن لم أفعلها فستفشل سهرتي لا شكّ، لكنّني خرجت سعيدة راضية ببداية موفقة كتلك!
أكتب هذا لمن اقترب يوم عرسها وتارة تقرّر ارتداء الحجاب أو على الأقل الاحتشام، وتارة عدم تخصيص رقصة خاصة بينها وبين عريسها، وتارة عدم الاسراف في يوم السهرة وسعر البدل وغيرها، أو مثلا مثلا يعني تمتنع عن الموسيقى، ثم تقف أمامها الآف الاعتراضات والانتقادات، في الواقع رقص العريس مع عروسه لطيف "هذا إن أجاد الرّقص الله يستر عليه"، ودخول الأعمام والأخوال رائع و"كتير شاعري" أقسم لك، والرّقص على أنغام "والله ومحتاجك يخي" مع أخيك أيضا شيء خرافيّ، والموسيقى والمعازف طرب وجمال، والبدلة التي تكشف أكثر مما تخفي وسعرها جاوز الـ10 آلاف أيضًا مدهشة وخرافيّة وسيتحدّثون عنها لمدة أسبوعين وثلاثة أيام وساعتين، لكن ينقص كلّ هذا شيء يوقر في القلب يمنحه الله تعالى لك، رضاكِ عنه ورضاهُ عنكِ والاطمئنان الذي لا يقابله شيء، اللهمّ لك الحمد على بداياتٍ كانت برضاك!

(5)
أثناء التّعارف وفي فترة الخطبة كنت أعتقد بأنّ للزّواج قوانين 1+1=2. نتفق هنا ونضع قوانين هناك ونفحص الأشياء بشكل عقلاني بحت، ثمّ بعدها تعلّمت بأنّ وصف الله تعالى للزّواج "مودّة ورحمة" كان الأنسب على الإطلاق! كلّ شيء يُحلّ بالمودّة وكلّ الخلافات ستنتهي بالرّحمة، لن تتغيّر قناعاتنا ولا أفكارنا لكن ستتغيّر قلوبنا وتلين وتصبح أكثر رحمة.

(6)
لا أزال أذكر جلسة نسائيّة كانت بعد زواجي بأيّام، قيل لي فيها بأنّ الرّجل يحتاج "عين حمرا"، (نعم بهذه الصّيغة!)، وبأنّ الهدوء واللّين لن يفيد، ثمّ قالت أخرى بأنّها وضعت قوانين لزوجها في البيت. قلت سبحان الله! كنّا نقول بأنّ الرّجال وحدهم يدخلون الزّواج بتلك العقليّة، عقليّة "ربّيها على ايديك" وأشياء من هذا القبيل، ثمّ تبيّن بأنّها عقليّة متجذّرة في المجتمع، فلم يفهموا الزّواج ولا مقصده ولا هدفه. هل سندخل في حرب حتّى أريه "عيني الحمرا"؟ وهل زوجي طفل حتّى أضع له القوانين؟ أفكّر ما هي طبيعة الحياة الّتي يعيشيها زوجان وهما ينظران إلى بعضهما بهذه الدّونيّة؟ هو ينظر لنفسه كمربٍّ يعلّمها الأخلاق والآداب وهي تنظر إلى نفسها كأم مربية لطفل لا يفقه شيئًا من تنظيم أموره وحفاظه على نظافة بيته! علاقة يتسلّط كلّ منهما على الآخر بدل أن يعتبره شريكًا له في حياته وداعمًا له في مسيرته.

(7)

أخيرًا أقول بأنّ أسمى ما يمكن أن يفعله الزّوجان أن يكونا صديقين لا مجرّد "حبيبين". تبدو الحياة مع الصّداقة أقلّ تكلّفًا وأكثر صراحةً وأجمل في تمضية الأوقات..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )