12.6.18

الذّكاء العاطفيّ في قصّة موسى عليه السّلام



قصّة سيّدنا موسى من القصص المُلهمة بالنّسبة لي، حيث تجد فيها فائضًا من المشاعر والأحاسيس، من ولادته وحتّى خلال مسيرة حياته، وما يميّز قصّة سيّدنا موسى أيضًا بأنّ مفهوم الأسرة كان واضحًا، والتّرابط والحبّ الّذي كان بين أفرادها كان مميّزًا عن بقيّة الأنبياء. فنجدُ أمّه الّتي تخاف عليه ويُصبح فؤادها فارغًا وتكادُ أن تبدي بسرّها لولا ربط الله تعالى على قلبها، نرى أخته وهي تبحث وتتقصّى وتتتبّع ثمّ تقترح أمّها كمرضعةٍ لأخيها، نجد هارون أخو موسى عليهما السّلام وقد شدّ من أزره وأشركه في أمره، نرى أيضًا زوجته وعائلتها وما يميّزها من حياءٍ وكرمٍ وقوّة وثقةٍ بالنّفس. وأردتُ أن أبحث في هذا المقال عن شكلِ المشاعر في قصّة موسى عليه السّلام من: خوف، حزن، قلق، غضب، اطمئنان، كذلك انفعالات أفراد أسرة موسى عليه السّلام، الذّكاء العاطفيّ عندهم والقدرة على ضبط المشاعر.



(1) التّعامل مع المشاعر
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
 فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
تبدأ القصّة بوحي من الله تعالى إلى أمّ موسى عليه السّلام أن تُلقيه في اليّمّ، وتبرز أهمّيّة المشاعر في القرآن الكريم من خلال الاهتمام بخوفها عليه، ويلهم الله تعالى أمّ موسى عليه السّلام بأن لا تخاف ولا تحزن، لأنّه تعالى سيجعل ابنها من المرسلين. في آية أخرى، حين يخاطب الله عزّ وجلّ نبيّه موسى فيهرب من العصا الّتي انقلبت حيّة تسعى، يقول الله تعالى: "أقبل ولا تخف" لماذا يا ربّ لا أخاف؟ لأنّك "من الآمنين"، وفي موضع آخر: "إنّه لا يخاف لديّ المرسلون". هُنا يبيّن لنا الله عزّ وجلّ كيفيّة التعامل الصّحيح مع مشاعر الخوف والحزن، فهُناك ما هو منتشر عند مسوّقي التنمية البشريّة، حول استخدام كلمة "لا" في التّعامل مع المشاعر "السّلبيّة"، فيُقال بأنّه بدلًا من قول "لا تحزن" يجب أن تقول "افرح" مثلا، لأنّ العقل يحذف كلمة "لا" فيُصبح التّوجّه سلبيًّا وكلام من هذا النّوع! في حين نرى في القرآن الكريم استخدامًا مكثّفًا لهذه الطّريقة، أي نفي المشاعر السّلبيّة بـ"لا"، وهذا يدفعنا للتّساؤل حول صحّة ما يقوله مدربو التّنمية البشريّة، ونقدها بطريقةٍ علميّة. (أعتقد بأنّ مواجهة هذا الاختلاف أفضل من انتظار مؤسّسي التّنمية البشريّة لينفوا هم تلك النّظريّة ويقولوا بأنّها خاطئة، ثمّ نقول نحن: أوه القرآن اكتشف هذا قبلكم، فالمهمّ أن يكون عندنا العزّة لمواجهة ما هو مفهوم ضمنًا علميًّا بدلًا من البحث عن المشترك بيننا وبينهم).
نُلاحظ أيضًا أنّ الله عزّ وجلّ بيّن سبب عدم الخوف أو عدم الحزن، لماذا يا ربّ لا أحزن؟ ولماذا لا أخاف؟ "إنّا رادّوه إليك" "وجاعلوه من المرسلين"، "إنّك من الآمنين". فإذَا عندما نتعامل مع مشاعرنا ومشاعر غيرنا، ونريد توجيه تلك المشاعر بشكلٍ أفضل فالمهمّ تبيين سبب تغيير التّوجّه، بمعنى لو شعرت بالحزن، وأردت أن ألغي هذا الشّعور فمن المفروض منّي أن أبيّن لنفسي الأسباب الّتي تفرض عليّ أن لا أشعر بالحُزن، كتعداد النّعم أو الصّبر أو غير ذلك.

(2) القوّة لا تنفي الخوف !
 "فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ" ثمّ "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ"
دائمًا كانت تُلهمني قوّة موسى عليه السّلام، وكزه فقتله! هكذا ببساطة، ثمّ في موضع آخر نرى ابنة شعيب تقول "إنّ خير من استئجرت القويّ الأمين" فشهدت له بالقوّة، وشخصيّة موسى عليه السّلام هي شخصيّة شديدة وسريعة الغضب لله، فنجده في موضع يأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، ونراه وهو غضبان قد ألقى الألواح، ونراه يغضب حين يرى مظلومًا، لكن مع كلّ هذه الشّدّة والقوّة، ترى الله عزّ وجل قد بيّن مخاوفه عليه السّلام وبشكلٍ متكرّر، مرّةً حين قتل القبطيّ، وأخرى حين جاءه رجل يحذّره بأنّهم يأتمرون عليه ليقتلوه، ثمّ نرى خوفه حين رأى العصا قد انقلبت حيّةً تسعى، وبيّن خوفه مرّة أخرى حين أمره تعالى بأن يذهب إلى فرعون فقال: "ولهم عليّ ذنب فأخاف أن يقتلون"، والجميل أيضًا بأنّ موسى عليه السّلام كان عالمًا بنقاط قوّته وضعفه، فقال ببساطة شديدة: "وأخي هارون هو أفصح منّي لسانًا"، هذه السّلاسة في التّعبير عن المخاوف، ومعرفة نقاط الضّعف وعرضها هو جزء من القوّة والذّكاء العاطفيّ الّذي كان عند سيّدنا موسى عليه السّلام، وهذه القوّة ستكون أكثر غرابة حين نجدها من شخصٍ قويّ بدنيًا وجسديًّا، فليس من السّهل على القويّ أن يقول بأنّه خائف أو أن يعرض نقاط ضعفه! وليس هذا فحسب بل وحتّى عندما أرسل الله تعالى لهارون  مع أخيه موسى عليهما السّلام، لم يخجلا من طرح مخاوفهما مرّة أخرى حتّى أمام بعضهما، فقد يكون الإنسان أكثر أريحيّة في عرض مخاوفه لنفسه ولربّه جلّ في علاه، أمّا أن يكون التّعبير عن الخوف أمام إنسان آخر فهذا أيضًا نوع من القوّة.

(3) ضبط المشاعر

ضبط المشاعر نجدهُ واضحًا في شخصيتيْ أمّ موسى عليه السّلام وأخته، والقرآن الكريم بيّن ذلك حين قال: "إن كادت لتُبدي به لولا أن ربطنا على قلبها"، كان يمكن تصيح وتقول هذا ابني، وكان يمكن أن تبكي بصوتٍ عالٍ وتشتكي، لولا أنّ الله تعالى ربط على قلبها وجعلها تضبط مشاعرها وهذا من الذّكاء العاطفيّ في التّعامل مع الأمور. نجد أيضًا هذا الضّبط موجودًا عند أخت موسى عليه السّلام، فنراها تتقصّى وتبحث وتضبط خوفها وحزنها، حتّى أنّه يكون لديها القدرة والقوّة على اقتراح أمّها كمرضعة لأخيها عليه السّلام، وهذه المواقف تحتاج ضبط نفس وتهذيب للانفعالات، لأنّها ليس بسهلةٍ أبدًا.

(4) التّربية الإلهيّة في المشاعر 

"قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" بدأت قصّة موسى عليه السّلام بفائض من المشاعر، الخوف، الغضب والحُزن، وخلال تلك القصّة كانت تربية الله عزّ وجلّ لنبيّه موسى عليه السّلام في ضبط مشاعره، فحين خرج منها خائفًا يترقّب لم يكن أحد يُلاحقه، هو فقط سمع بأنّهم يأتمرون به ليقتلوه، لكن الآن تراه عليه السّلام ثابت القلب والأعداء من وراءه يلاحقونه وهو يراهم رأي العين، والبحر من أمامه، يقول له أصحابه: "إنّا لمُدركون!" فيقول بابتسامة الواثق: "كلّا إنّ معيَ ربّي سيهدين"، الّذي قال هذه الجملة هو نفسه الّذي خرج منها خائفًا يترقّب، وهو نفسه الّذي قال "وأخاف أن يقتلون" وهو نفسه الّذي اعتذر لربّه تعالى هو وأخوه عليهما السّلام "إنّنا نخاف أن يفرطَ علينا أو أن يطغى" الآن يقول "كلّا" لكلّ مشاعر الخوف والقلق والاضطراب وشدّة الانفعال.. "كلّا".. وهذا طبعًا كان نتيجة تربية إلهيّة لنبيّ كريم، بالمعجزات والدلالات والابتلاءات خلال مسيرته الدّعويّة.

(5) الغضب من أجل الله! 
كان ما يميّز غضب موسى عليه السّلام بأنّه غضبّ من أجل الله تعالى، لا من أجل شخصه، وهذا جزء من تربية الله عزّ وجلّ له، "وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" ، في هذه الآية تجد مشهدًا تصويريًا عجيبًا، لأخ يأخذ برأس أخيه، أخوه الّذي يحبّه ودعى الله تعالى أن يكون شريكه ويشدّ به عضده، كلّ هذا من أجل ماذا؟ لأنّه غضب من فعل قومه من عبادة العجل، هذا يعلّمنا شيئًا في قيمة المشاعر، الخوف، الحزن، الغضب، الفرح، كلّها ستكون أكثر قيمة إن كانت لله ومن أجل الله، الغضب مرفوض لكن الغضب من أجل الله مطلوب، الخوف مرفوض لكن الخوف من الله واجب، قيمة المشاعر الإنسانيّة تصبح أعلى عندما تعلو قيمة السّبب الّذي من أجله كانت، فهذه تربية إلهيّة في مراجعة أسباب مشاعرنا لتكون قيمتها أعلى وأهمّيّتها أعظم!

(6) ثقة الفتاة وحيائها، وذكاء الأب وحكمته!
شخصيّة ابنتا شعيب من الشّخصيّات الّتي تحتاج مراجعة وبحثًا، من حيث صفاتهنّ وقوّة شخصيّاتهنّ، وما يثير انتباهي عندما مدحت ابنة شعيب سيّدنا موسى عليه السّلام بقولها "إنّ خيرَ من استئجرت القويّ الأمين" ويُقال بأنّها هي نفسها من زوّجها شعيب لموسى عليه السّلام، وهذا يعني أمران: أوّلًا كان عند ابنة شعيب القدرة على مدح رجل أجنبيّ أمام أبيها رغم حيائها، وهي الّتي وصفها القرآن بقوله "تمشي على استحياء"، "على استحياء قالت"، وهذا يبيّن علاقة مميّزة بين فتاة مع أبيها، ويبيّن كذلك قوّة شخصيتّها، ثانيًّا كان عند شعيب الذّكاء العاطفيّ الكافي ليفهم ما ترمي إليه ابنته، أو حتّى ليفهم ما هو المهمّ بالنّسبة لابنته في رجلها، وهذا من حكمة وذكاء وحسن البديهة عند الطّرفين.

(7) الأسرة وبناء المشاعر 
من المثير للاهتمام أن تكون قصّتي موسى ويوسف عليهما السّلام من القصص الّتي تبرز فيها المشاعر بشكل خاصّ: الحزن، الغضب، القلق، الغيرة، الحسد، الاطمئنان الحب، الغرام والخوف،وغيرها.. وقصّتي موسى ويوسف عليهما السّلام يبرز فيها دور العائلة والأسرة بشكلٍ واضح، وهو شيء يدعو للتّفكّر في علاقة ذلك بكون الأسرة هي المنبع الأساسي الّذي تبنى فيه المشاعر، ويُحدّد من خلاله الذّكاء العاطفيّ، وتبنى فيه نفسيّة الطّفل ومشاعره الّتي ترافقه طيلة حياته. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )