19.5.18

التّربيّة الجنسيّة في القرآن الكريم: سورة النّور أنموذجًا




إنّ ما يثير اهتمامي في تفسير القرآن الكريم هو التّفسير القائم على بناء التّصوّرات واستمداد النّظرة الشّموليّة للإسلام في أيّ مجالات حياتنا، لكنّ هذا الأمر يحتاج إلى فهم شامل دون اجتزاءٍ للآيات أو تحميلها ما لا تطيق، ودون محاولة "التّفتيش" عن نظريّة ما ضمن آيات الله عزّ وجلّ، بل ننطلق بفهم القرآن منه وإليه.

ومن أحد المواضيع الّتي أعتقد بأنّه يجب بحثها بشكلٍ أوسع وأعمق هو تصوّر الإسلام نحو الجسد عمومًا، حول نظرته للجسد، سواءً الذّكريّ أم الأنثويّ، وهذا يلزم فهم مصطلحات "الطّهارة"، "النّجاسة"، "الجنابة"، "العورة"،" غُسل" كذلك تغييرات الأنثى من "حمل"، "ولادة"، "حيض"، "رضاعة" وغيرها.. بالإضافة لمواضيع مثل تقبّل الجسد ومفهوم النّظافة والوضوء وغيرها.. والمقصود هنا ليس من ناحية فهم المصطلحات فحسب، لكن من حيث فهم السّياق الّذي وردت فيه تلك المصطلحات أو ما يقابلها، وفهم الصّفات الّتي أطلقت عليها وغير ذلك من التّفاصيل..

التّربية الجنسيّة هي جزء مهمّ من التّصوّر حول الجسد، وهي تتأثّر من مفاهيمنا حول  هويّتنا الجنسيّة وتغيّراتنا الجسديّة وكذلك حول تعاملنا اليوميّ مع أجسادنا، وسورة النّور هي من إحدى السّور الّتي نرى فيها تفصيلًا كبيرًا للتّربية الجنسيّة، ليس من ناحية تعاملنا مع أجسادنا فحسب، إنّما تعاملنا مع أجساد الآخرين، وحرمة البيوت وحرمة داخل البيوت وما إلى ذلك.  وما أكتبه ليس تفسيرًا، وليس الهدف من المقال أن تُعرض التّوجيهات حول أحكام الزّنى أو أحكام حرمة البيوت أو أحكام زينة المرأة، إنّما محاولة لبناء تصوّر معيّن حول مفهوم الجسد عمومًا والتّربية الجنسيّة خصوصًا في سورة النّور.

***

(1)
تقبّل الجسد وتقبّل الذّات؟ 
 نجد بعض التّوجّهات في التّربيّة الجنسيّة بأنّها مقترنة بشكل أساسي حول فكرتين هما: الحريّة والتّقبّل،فهناك مساحة واسعة من الاختلافات وهناك ضرورة كبيرة لتقبّل الذّات والآخر بغضّ النّظر عن الحالة، وتقترن التّربية الجنسيّة بفكرة القبول الدّائم للجسد ومتطلّباته وغرائزه "إذا لم يتمّ المسّ بأجساد الآخرين" (وطبعًا المقصود بالمسّ هنا عدم رضاهم)، ونسمع كلامًا مثل "هل تشعر بميول لنفس جنسك؟ هذا طبيعي! تقبّل جسدك!، هل ترغبين بإقامة علاقة خارج نطاق الزّواج؟ حقّك جسدك ملكك"..
في سورة النّور نجد بأنّها  تفتتح
 آياتها بشكلٍ فيه تّوكيد وإلزام "سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا"،وهذا يعني بأنّ السّورة تبيّن لك من الآية الأولى أنّ هناك حدود وضوابط فرضها الله تعالى عليك، والتّربية الجنسيّة وفق التّصوّر الإسلامي ليست قائمة على فكرتي الحريّة والتّقبّل، إنّما على أحكام وضوابط شرعها الله عزّ وجلّ لحفظ النّفس والمجتمع. 

(2)
جسدي ملكي؟
 نجدُ أيضًا في الآية الثّانية توجّهًا لا يقلّ وضوحًا وتبيّينا عن الآية الأولى "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَاوهنا نرى نسفًا لفكرة "جسدي مُلكي" الّتي تقوم عليها بعض التّوجّهات في التّربية الجنسّية، فالجسد -وفق التّصوّر الإسلاميّ- أمانة عليك حفظها من الزّنى والفاحشة، وتعدّي المسلم حدوده وعدم عمله بالضّوابط يؤدّي إلى عقابٍ أليم أمام المُسلمين، فالجسد ليس ملكك وليس من حقك أن تفعل به ما تشاء، بل وأيضًا من  حقّ الدّولة الإسلاميّة محاسبتك على تعاملك مع جسدك، فهو ليس تعامل "خاصّ وشخصيّ"، إذ أنّه قد يترتّب عليه عواقب مجتمعيّة وخيمة، فتعامل الفرد مع جسده وإن بدا شيئًا خاصّّا لا علاقة لأحد به، فهو يؤثّر عليه وعلى مجتمعه بل وعلى دولته، وهو ليس مُلكًا للفرد، وليس مُلكًا لمجتمعه بالمناسبة ولا لدولته، لكن لمجتمعه ولدولته الحقّ في محاسبته إن لم يصونه ويحفظه من الزّنى والفاحشة.

(3)
نحن وأجساد الآخرين
 
"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، قذف المحصنات هو من أحد الأمور الّتي تبيّن علاقة أيّ مسلم بجسد إنسان آخر، وخُصّت هنا النّساء لكون أجسادهنّ أكثر عُرضة للقذف، كوننا في مجتمعـ(ـات) تتعامل مع أجساد النّساء كأجساد تمثّل العائلة أو البلد، بالتّالي فإنّ لأيّ أحد الحقّ في الحديث عن فلانة وجسدها وعفّتها وشرفها كونها تنتمي لعائلته أو لبلده، ولذا القرآن الكريم يوضّح حُرمة الجسد وخصوصيّته ويبيّن خطورة التّعامل معه، حتّى وإن رأى المسلم بأمّ عينه شيئًا فشاهدته غير مقبولة بدون ثلاث شهداء آخرين.
إن كنّا قد رأينا "تدخّل" الدّولة والمجتمع (طائفة من المؤمنين) في جسد الفرد فإنّ هذه الآية تحدّ من هذا التّدخّل وتضبطه وتهذّبه، فحتّى لو كان هناك عقاب للزّناة، وحتّى لو كان حضور طائفة من المؤمنين مهمًّا، وحتّى لو لم يكن تعامل الفرد مع جسده بالنّسبة للتصّور الإسلاميّ علاقة فرديّة شخصيّة، فإنّ الله عزّ وجل ضبط هذا التّدخّل، حتّى لا يقول من شاء ما شاء، بل وبيّن عقابًا نفسيًا وجسديًّا أليمًا لمن يقذف في عرض محصنة دون شهود وأدلّة.
 ثمّ يعرض الله عزّ وجل حادثة الإفك، ويبيّن مسألة في غاية الأهمّيّة وهي أنّنا إذا كنّا نريد بناء علاقة جيّدة مع أجسادنا فهذا يعني أيضًا بناء علاقة جيّدة مع أجساد الآخرين، ولذا أحسن المؤمنون الظنّ بالسّيّدة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، "لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا"، فعلاقة المؤمن بأجساد المسلمين هي علاقة حسن ظنّ بداية، لأنّه يتوقّع من غيره من المسلمين كما يتوقّع من نفسه، ويتوقّع من أجسادهم كما يتوقّع من جسده.

(4)
التّعامل مع الإشاعات:
"إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْالتّربيّة الجنسيّة متعلّقة أيضًا بمفهوم الإشاعة، وتعاملنا معها، وتعاملنا مع القصص الكثيرة الّتي نسمعها، وهذه يغفل عنها الكثير من المربّين، الّذين قد يشدّدون على أهميّة عفّة الفرج وعفة الجسد من حيث ستره، وعفّة البصر، ويغفلون عن الحديث عن عفّة اللسّان وتعامل المسلم العفيف مع الإشاعات والأخبار "الفاضحة". سورة النّور تعرض بشكلٍ واضح أنّ جزءً من التّربية الجنسيّة هو تربية وتهذيب اللسّان، تعاملنا مع القصص والشّائعات والفضائح هو جزء من عفّتنا وطهارتنا.

(5)
حرمة البيوت وحرمة داخل البيوت
حين افتتحت سورة النّور بآيات حول الزّنى وحول علاقة الدّولة الإسلاميّة والمجتمع بأجسادنا، انتقل الحديث بعدها حول علاقتنا بأجساد الآخرين في المجتمع، وتعاملنا مع الإشاعات والفضائح وغيرها، ثمّ انتقل إلى حرمة البيوت، ولا شكّ بأنّ حرمة البيوت متعلّقة بحرمة ساكنيها وأجسادهم، يقول الله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا "  ثم انتقل إلى علاقة أجسادنا بأجساد الآخرين فبيّن حدود الزّينة وأهمّية حفظ الفرج وغضّ البصر(آية "وقل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم.."ذُكرت قبل آيات الاستئذان)، وأخيرًا حرمة الأفراد داخل بيوتهم، في آيات "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ" "وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا" . فانظر إلى هذه السّلاسة في العرض وهذا التّرتيب في الطّرح! وتأمّل كيف يحافظ الله عزّ وجلّ على خصوصيّة الجسد ليس فقط أمام الدّولة والمجتمع والأفراد لكن حتّى في بيته وبين أفراد عائلته. 

(6)
نحن، أجسادنا وأجساد الآخرين:
  
"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"، إذا قسّمنا هذا المقطع من الآية سنرى أنّ غضّ البصر يمثّل تعاملنا مع أجساد الآخرين، وحفظ الفرج هو تعاملنا مع أجسادنا تجاه أجساد الآخرين، أمّا في الآية المتعلّقة بالنّساء فإنّنا نرى"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا"  غضّ البصر متعلّق بتعاملنا مع أجساد الآخرين، وحفظ الفرج يمثّل تعاملنا مع أجسادنا تجاه أجساد الآخرين، ثمّ أضيفت خاصّية أخرى بالنّساء وهي إبداء الزّينة، وهي تمثّل تعاملنا مع أجسادنا، وهذا هو الاختلاف الوحيد بين الرّجال والنّساء في تعاملهم مع أجسادهم، في حين نجد البعض يتغافل عن الأمور المشتركة، ويركّز فقط على إبداء الزّينة أو عفة المرأة عمومًا، وهذا الأمر لن ينتج قطعًا مجتمعًا عفيفًا، فبدون أن نعمل على الخمس عوامل: غضّ البصر للاثنين وحفظ الفرج للاثنين وعدم إبداء الزّينة للمرأة فلن يكون لدينا مجتمع مصان عفيف أبدًا!

(7)
  
العفة وتفاصيل أخرى..
وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ هذا الجزء من الآية يلفت انتباهك نحو "التّفاصيل الصّغيرة"، الأشياء الّتي بالكاد ننتبه لها، لأنّ العفّة لا تُبنى فقط بالحدود والقوانين العامّة، إنّها تحتاج منك مراجعة دائمة، وانتباه كبير لكلّ التّفاصيل.

(8)
 العفة كخيار أفضل
"
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء الَّلاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّبعد كل هذه الآيات المليئة بالأحكام، والضوابط والحدود تأتي آية تختصر لنا كل شيء، العفّة كخيار أفضل، حتّى في حال نساءٍ كبيرات في السّن لا يرجون نكاحًا، العفّة أفضل،  وهذا يعني بطريقة ما بأنّ الشّباب والشّابّات  هم أولى بالتّعفف والسّتر، وتستحضرني جمل لا يملّون تكرارها عن كون هذا اللّباس الفضفاض يُناسب كبيرات السنّ وهذا اللّون "غير اللّافت" يُناسب العجائز وغيرها. القرآن يقول بشكل واضح "ليس عليهن جُناح.." العفة أولى بالشّبان والشّابات قبل العجزة .. وفي كلٍ خير!

هناك تعليق واحد:

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )