15.4.18

سلبيات الخطاب الإسلاميّ المعاصر في قضيّة المرأة


مقدمة
بدايةً دعونا نسأل، هل الحديث عن حقوق المرأة مجرّد فكرة غربيّة ليس لها أصل شرعيّ، وهل الفصل بين قضايا الرّجل وقضايا المرأة والسّؤال عن دور المرأة في الإسلام، والمقارنة بين وضع الرّجل ووضع المرأة مجرّد أسلمة للفيمينزم وقضايا الجندر؟  وهنا تستحضرني قصّة أمّ المؤمنين أمّ سلمة -رضي الله عنها- حين سألت النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: "ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرّجال؟" فنزل بعدها قوله تعالى: 
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
وتستحضرني أيضًا قصص الصّحابيّات ومقارنتهنّ الدّائمة لأنفسهنّ مقابل الرّجال،  فعن أبي يعلى عن أنس أنّ النّساء أتين النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلن: "يا رسول الله، ذهب الرّجال بالفضل، يجاهدون ولا نجاهد"، فقال عليه الصّلاة والسّلام: "مهنة إحداكنّ في بيتها تدرك جهاد المجاهدين إن شاء الله"، وقد جاءت امرأة إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: "يا رسول الله، ذهب الرّجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلّمنا ممّا علمّك الله" فقال: "اجتمعن يوم كذا وكذا".  فإذًا الفرق أنّ الخطاب النّسويّ العلمانيّ المعاصر الدّارج  يفرض -بطريقةٍ أو بأخرى- معايير نجاح الرّجل على المرأة ويوجب المقارنة والتّقليد، في حين أنّ دافِع الصّحابيّات للمقارنة مع الرّجال، لم يكن التّقليد وفرض تلك المعايير، إنّما كان دافع المنافسة هو الفضل والتّقوى.  
**
لا شكّ أنّ الخطاب الإسلاميّ المعاصر في قضيّة المرأة مركّب جدًّا ومتنوّع، ولا يمكن حصر سلبيّاته أو التّعميم عليها كمشاكل موجودة في كلّ التّيارات الاجتماعيّة والسّياسيّة الإسلامية، لكنّني سأحاول في هذا المقال تسليط الضّوء على بعض السّلبيّات المنتشرة في كثير من الخطابات الإسلاميّة المعاصرة في طرحها لقضايا المرأة، وأحاول في نهاية المقال أن أعرض آليات لتحسين الخطاب في هذا الجانب. 
**


خطاب عاطفي



من أحد أهمّ خصائص الخطاب الإسلامي المعاصر عمومًا، وفي طرحه لقضيّة المرأة خصوصًا، بأنّه خطاب مبنيّ على الكلام العاطفيّ، لا على أدلّة منطقيّة أو عقلانيّة، والّذي ينافي أحيانًا الأحكام الشّرعيّة والحكمة من وجودها. فمثلا بدل أن تعامَل المرأة كإنسان، تعامَل كشيء يجب حفظه وإخفاؤه، فتبدأ التّشبيهات العجيبة للمرأة المسلمة، ابتداءً بتشبيه الملكة، مرورًا بتشبيه الدّرّة والجوهرة واللّؤلؤة وانتهاءً بتشبيهات الحلوى والسّيّارة.. وأيضًا، الدّجاجة
 دعونا نطرح مثالًا آخر، عندما تناقش قضيّة المصافحة وحرمتها بين المرأة والرّجال الأجانب، أو العكس، يدّعي البعض هنا بأنّ هذا نابع من احترام الإسلام للمرأة، فهي ملكة، وليس لأيّ أحد الحقّ بمصافحتها، أحقًّا نحن ملكات؟ والإسلام يميّزنا في هذه الجزئيّة؟ هل الرّجال جواهر وملوك مثلنا؟ إن لم يكونوا كذلك، فلم لا يحقّ لهم مصافحة امرأة غير مسلمة؟ فالّذي حصل هنا نتيجة الخطاب العاطفيّ غير المبنيّ على أدلّة شرعيّة ومنطقيّة أنّ القضايا الّتي تخصّ كلا الجنسين تحولّت إلى قضيّة نسائيّة من الدّرجة الأولى، وبدل أن يقال بأنّ حرمة المصافحة جاءت لتحافظ على علاقة سويّة بين الجنسين وتضع الضّوابط والحدود، يقال بأنّ هذا حتّى نحافظ على "عفّة الفتاة وشرفها"، وهذا يدفعنا لأسئلة أخرى حول مفهوم العفّة والحياء والشّرف، وكونها مقترنة بالفتاة لوحدها دون الشّاب.
 قد يبدو الخطاب العاطفيّ رومانسيًا جميلًا أحيانًا، يروي ظمأ غرورنا كنساء، فنحن ملكات وجواهر ليس لأحد الحقّ في مسّنا، بالمقابل هذا الخطاب مليء بالمغالطات الدّينيّة حول حدود العلاقات بين الجنسين، والحكمة من وجودها، ومفهوم العفّة والحياء واقترانها بأحد الجنسين دون غيره، وهذه المغالطة الشّنيعة قد تؤدّي لاحقًا إلى إهمال جانب تربية الشّاب على مفاهيم الحياء والعفّة، والتّركيز فقط على دور الفتاة في هذا الجانب، لكن عمليًا مهما التزمت الفتيات بالحشمة والسّتر والحياء دون التزام الشّباب بها فلن ننتج مجتمعًا محافظًا على الحدود والضّوابط الإسلاميّة، لأنّها قضيّة لا تتمّ دون تعاون الطّرفين، وحين نفهم هذه المسألة يمكننا أن نجيب على سؤال مثل: لماذا يتمّ التّحرّش بالمسلمات الملتزمات بالزيّ الشّرعيّ، دون أن نُرجِع السّبب لمشيتها وضحكتها وجمالها الفتّان. 


رد فعل بدلًا من الفعل 
 يبدو الخطاب الإسلاميّ المعاصر أقرب لأن يكون ردّ فعل من أن يكون فعلًا، وفي طرحه لقضايا المرأة يبدو ذلك واضحًا بشكلٍ أكبر، فهو أقرب لأن يكون ردّ فعل لشبهة حول المرأة في الإسلام، ردّ فعل لمقال مسيء، أو صورة كاريكاتوريّة مسيئة.
نحن ينقصنا تصوّر واضح وشامل لمكانة المرأة في الإسلام، وحتّى يكون ادّعائي مبنيّا على حقائق، دعوني أسأل، هل هناك جمعيّات إسلاميّة تحارب المعاكسات والتّحرّش، وتحاول إيجاد حلول واقعيّة مبنيّة على تصور إسلاميّ؟ وكم نسبتها؟ هل هناك جمعيّات إسلاميّة  تحارب العنف المنزليّ وتميّز حدود العلاقة الزّوجيّة ومفهوم القوامة ومفهوم الطّاعة بل ومفهوم الضّرب؟ وكم هي نسبة مراكز الأبحاث ذات التّصوّرالإسلاميّ الّتي تبحث في قضايا النّساء وتكتب نظريّاتٍ مستمدّة من القرآن والسّنّة؟


نظرة ذكوريّة أم نظرة رجاليّة؟ 


غياب النّساء في السّاحة الإسلاميّة  سواء الفقهيّة أو الدّعويّة يجعل الصّورة ناقصة وغير واضحة وشاملة، وهنا لا أقصد ادّعاء ما يسمّى بـ"الحركة النّسويّة الإسلاميّةالّذي يقول بأنّ النّصوص الشّرعيّة فُسّرت بطريقةٍ ذكوريّة، وتحاول بناءً على ذلك إعادة تفسير النّصوص بطريقة نسويّة، فهذا الادّعاء يضع التّصوّر النّسويّ حاكمًا على التّصوّر الإسلاميّ، فيحرف الكلم عن مواضعه، وذلك محاولة لتبرير أمور غير مقبولة وفق التّصوّر النّسويّ. إنّما أقصد بأنّنا بحاجة إلى نظرة رجاليّة (وليست ذكوريّة)،  ونظرة نسائيّة (وليست نسويّة) بشكلٍ متوازٍ، واستعملت هنا مصطلحين حياديين حتّى لا يكون هناك تصوّر أعلى من التّصوّر الإسلاميّ ننطلق من خلاله، إنّما نفهم القرآن الكريم بفهم السّلف الصّالح ونحاول أن نسقط هذا الفهم على تجاربنا ومشاكلنا المتأثّرة بشكلٍ كبير من جنسنا
 ووجود كلا التفسيرين لا يعني وجود تناقض بينهما، بل تكامل، وحتّى أشرح الفرق بين النّظرتين سأعرض تفسير سورة يوسف وفق ما قرأته من بعض التّفاسير، كلّ التّفاسير الّتي قرأتها ركّز فيها المفسّر على قضيّة فتنة المرأة للرّجل، فهناك رجل وهو سيّدنا يوسف عليه السّلام، وهناك امرأة تحاول أن تغريه، ثمّ تعرض توجيهات ونصائح للرّجال عن كيفيّة مواجهة فتنة النّساء، ورغم كون ذلك صحيحًا، إلّا أنّي –كامرأة- سأسأل: ماذا يمكن أن أفهم من هذه القصّة؟ كيف يمكن أن أستفيد منها وأطبّق إرشاداتها؟ لماذا لا يتمّ الحديث هنا –مثلًا- عن الرّجل كفتنة؟ لماذا لا يركّز المفسّر على قصّة امرأة تواجه فتنة الجمال وفتنة الرّجال؟ امرأة تسقط في الفتنة ثم تتوب؟ هذه ليست دعوة لنناقض التّفسير الرّجاليّ، بل دعوة لنفهم تجارب النّساء، ونفهم مشاكل النّساء وآلامهنّ وأفكارهنّ، تمامًا كالرّجال
تبدو قصّة الفقيهة فاطمة بنت عبّاس الّتي كانت من فقيهات دمشق والقاهرة في القرن السّابع الهجريّ مثالًا آخر لتجسيد مفهوم التّفسير الرّجالي والنّسائيّ، إذ كان لها مناظرات مع الفقيه صدر الدّين بن الوكيل في بعض مسائل النّساء الفقهيّة، فقالت له: "أنت تدري هذا علمًا، وأنا أدريه علمًا وعملًا"، فالرّجال يفهمون الحجاب علمًا ونحن نفهمه علمًا وعملًا، وهم يفهمون مشاكل النّساء وآلامهنّ سماعًا ونحن نفهمها تجربةً ومعايشةً، وكذلك الأمر بالنّسبة لنا فيما يخصّ قضاياهم ومشاكلهم وتجاربهم، فالواجب أن يكون هناك توازن بين التّفسيرين وفق فقه الشّريعة وفقه الواقع


كلانا خاسران ! 
في الخطاب الإسلاميّ لقضيّة المرأة هناك مسائل مكرّرة بشكل كبير، على المستوى الفقهيّ والدعويّ، كقضايا الحجاب والنّقاب والنّمص والعطر وطاعة الزّوج، وتبدو تلك المسائل مرتبطة بدور المرأة فيها وواجبها تجاهها، أمّا المسائل التي تبدو فيها المرأة ضحيّة ويبدو الرّجل هو المسؤول الأوّل عنها، كمسائل العنف والقتل على يسمّى بـ"شرف العائلة" والمعاكسة والتّحرّش، فعادةً ما يُغضّ الطّرف عنها، أو تتهم المرأة بالخروج عن الضوابط الشرعية، فإمّا هي ناشز بالضّرورة وإمّا هي غير محتشمة بالضّرورة، وإلّا لما قام الرّجل بفعل هذا بها. لا يخفى علينا هنا دور العادات والتّقاليد في مجتمعاتنا العربيّة، والمفاهيم المنتشرة حول الشّرف والعرض وغيرها، فالخطاب الإسلامي المعاصر شديد جدًّا وصارم أمام الأفكار الغربيّة، لكنّه يغفل -غالبا- عن مواجهة العادات والتّقاليد الشّرقيّة المرفوضة شرعًا بشكلٍ مباشر وقويّ. 
ليست المرأة المسلمة وحدها هي الخاسرة نتيجة هذا الخطاب، أيضًا الرّجل هو الخاسر، فالخطاب الإسلاميّ المعاصر يصوّر الرّجل بأنّه "ذئب متوحّش" لا يمكنه أن يسيطر على نفسه وعلى شهواته، ويدعو النّساء لإساءة الظنّ بجميع الرّجال ويقنعهنّ بأنّهم ينظرون إليهنّ بطريقةٍ جنسيّة دائمًا، بالتّالي هذا يخلق اشمئزازًا كبيرًا وخوفًا مبالغًا فيه عند النّساء تجاه الرّجال، ولا شكّ  أنّ هذا الخوف قد يكون نابعًا أيضًا من تجارب سابقة مع رجال متحرّشين أو معنِّفين، والّذي يلعب الخطاب الإسلاميّ دورًا لا بأس به في تصرّفاتهم.


آليات لتحسين الخطاب الإسلامي في قضايا المرأة 

ما يجب أن نطمح إليه أن نعمل على ثلاث مستويات، والّتي ترتبط فيما بينها
1) المستوى الفقهيّ التّشريعيّ: محاولة لتأصيل شرعيّ شامل في قضايا المرأة من الكتاب والسّنة.
2) المستوى البحثيّ الأكاديميّ: العمل على أبحاث أكاديميّة ترصد المشاكل المتعلّقة بقضايا النّساء.
3) المستوى الميداني: العمل على إقامة جمعيّات وحركات تحاول إيجاد حلول عمليّة لمواجهة المشاكل الّتي تواجه المرأة
على المستوى الفقهي التّشريعيّ، تبدو سلسلة "تحرير المرأة في عصر الرّسالة" للدّكتور عبد الحليم أبو شقّة من الكتب المعاصرة الجيّدة الّتي ناقشت قضايا المرأة بتأصيلات من القرآن والسّنّة وبما يناسب الواقع والبيئة، حيث طرح معالم شخصيّة المرأة المسلمة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومشاركتها في الحياة الاجتماعيّة والرّد على معارضي مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعيّة، كذلك حول لباس المرأة المسلمة وزينتها ومكانتها في الأسرة وحول الثّقافة الجنسيّة بين الزّوجين. ورغم أنّه يعدّ جهدًا مباركًا ومهمًّا، إلّا أنّه ينقصه تأصيلات حول قضايا شائكة تخصّ المرأة المسلمة في أيّامنا، كقضايا العنف والتّحرش ومفهوم الجسد الأنثويّ وغيرها
أمّا على المستوى البحثيّ الأكاديميّ، فهناك مركز الدّراسات والبحوث في القضايا النّسائيّة التّابع للرّابطة المحمّديّة للعلماء في المغرب، والّذي يهدف إلى مراجعة التّراث الإسلاميّ بخصوص قضايا المرأة ومحاولة المقاربة الشّموليّة لها في النّصوص الشّرعيّة وفي الواقع المعيش، وسدّ الفراغ العلميّ والبحثيّ في قضايا النّساء في الإسلام، كذلك رصد وتقييم الأفكار والمفاهيم المتعلّقة بموضوع المرأة في ضوء التّحوّلات الاجتماعيّة، وذلك من خلال عقد ندوات ومؤتمرات دوليّة ونشر بحوث ورسائل جامعيّة تعني بالقضايا النّسائيّة في الإسلام

هناك تعليق واحد:

  1. بارك الله في قلمكم، وزاده المولى الجليل نبضا في الحق ودفعا للباطل، اللهم آمين آمين.
    أختي - حفظك الله- لكون تخصصكم في النسوية وما يتعلق بها من مسائل، هناك مركز اسمه مركز باحثات يقوم بإصدار كتب ومقالات ودراسات في هذا الجانب مختص به له قوادر وأبحاث مهمة( سأضع معرف قناة تلجرام في الأسفل)، كذلك الدكتور ملاك الجهني مختص بذلك كثيرا وهي القائمة على الجناب المتخصص في برنامج صناعة المحاور بملف المرأة ولديها كتب في الموضوع أيضا (من اصدارات مركز نماء وباحثات أيضا، والدكتور عايض بن سعد الدوسري مهتم بذلك في قناته
    * ملاحظة إصدارات مركز باحثات الذي علمته خلال اسبوعين تصل مكتبة كلية القاسمي في باقة الغربية، وفقك الله لما يحب ويرضى.
    1- قناة تلجرام لمركز باحثات : https://t.me/bahethat1

    2- قناة عايض الدوسري: https://t.me/ayedh1

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )