1.4.18

أطفالنا، الإعلانات الخفيّة وثقافة الاستهلاك!

لا يخفى على أيّ منّا التّغيير الّذي حلّ مؤخّرًا في وسائل الإعلام المختلفة في  تشجيع الاستهلاك وثقافة "الشّراء لأجل الشّراء" وتأثير ذلك على أسلوب حياتنا كبالغين، لكنّ الأكثر خطورة هو أن نبحث عن تأثير هذا النّمط على أبنائنا، فقد يطمئنّ الوالدين لجودة الرّسائل الّتي تُمرّر في البرامج الّتي يُشاهدها أطفالهم، لكن  هناك رسائل لا تقلّ أهميّة وخطورةً يتلقّاها أطفالنا ويجب علينا متابعتها ومراقبتها، ألا وهي الإعلانات الّتي يتعرّضون لها خلال متابعتهم لبرامجهم، ففي دراساتٍ أُجريت حول الإعلانات الّتي يشاهدها الطّفل الأمريكيّ في جيل 2-11 عامًا تبيّن بأنّه يتعرّض لـ20 ألف إعلان في السّنة، حيث يتراوح النّطاق بين 5500 ساعة للمُشاهد الّذي يقضي ساعاتٍ أقصر إلى 33 ألف ساعة للمُشاهد الّذي يقضي ساعاتٍ أطول. من الجدير بالذّكر بأنّنا نتحدّث عن دراسة أُجريت عام 1991 (Comstock).

 والأسئلة الّتي تدور في ذهننا الآن: ما هي كميّة الإعلانات الّتي يتعرّض لها أطفالنا اليوم في التّلفاز ومواقع التّواصل الاجتماعيّ؟ وما هو تأثير تلك الإعلانات على ثقافة الاستهلاك عندهم؟ متى يفرّق الأطفال بين الإعلان والبرنامج؟ وفي أيّ جيلٍ يعرف الأطفال هدف الإعلانات؟ وكيف أصبحت الإعلانات في مواقع التّواصل الاجتماعيّ اليوم صعبة التّمييز، لدرجة أن لا يعرف البالغون بأنّ ما يشاهدونه ليس مقطعًا تدوينيًا إنّما مادّة إعلانيّة خالصة؟


متى يفرّق الأطفال بين الإعلان والبرنامج؟
التّفريق بين الإعلانات والبرامج يتطوّر عند الطّفل في جيلِ مبكّر جدًّا، ويرتفع بشكلٍ خاصّ في جيل 6 سنوات، وأكثر من نصف الأطفال في جيل 3 سنوات يُمكنهم التّفريق بين الإعلان والبرنامج. يُفسّر الأطفال هذا الاختلاف بوصفهم أنّ الإعلانات قصيرة ومُضحكة أكثر. في جيل 8 سنوات يبدأ غالبيّة الأطفال بفهم هدف الإعلان بوصفه طريقة لإقناع النّاس بشراء المُنتجات (lemish,2004).
بحسب المُعطيات فإنّ هناك اختلافًا فرديًّا بين الأطفال في فهم ماهيّة الإعلان وهدفه، وقد كان هناك أطفال أكثر قدرة على شرح أهداف الإعلان من آخرين في نفس جيلهم، قد يكون هناك أسباب كثيرة لهذا الاختلاف، لكنّ أحد الأسباب الرّئيسيّة هي تربية الوالدين وحوارهم مع أبنائهم حول قضايا المال، الشّراء، الإعلانات والاستهلاك.

إعلانات خفيّة ..

للأسف، الأمر لا يتوقّف عند هذا الحدّ، فالشّركات تعمل على الإعلانات بشكلٍ ظاهر وكذلك بشكلٍ خفيّ، فقد تظهر إعلانات سريعة لأجزاء من الثّانية في إحدى البرامج وقد لا ينتبه لها المُشاهد، لكنّ عقله يستقبلها ويستوعبها، وقد استعملت شركة "كوكا-كولا" تلك الطّريقة في المباريات والبرامج المختلفة. في الولايات المتحدّة الأمريكيّة أُجريت عام 1957 التّجربة الأولى في السّينما حول تأثير هذا النّوع من الإعلانات على المُشاهدين، حيث ظهرت خلال مشاهدتهم للفيلم جملة: "أنت تُريد أن تشرب" لأجزاء من الثّانية، بعد أن تكرّر عرض هذه الجملة تقريبًا كلّ من في القاعة ذهبوا لشراء مشروب، وقد كانت هناك تجربة أخرى مماثلة حول "الكوكا-كولا" والفشار وأظهرت نفس النّتائج، ألا وهي قدرة تلك الإعلانات الخفيّة على التّأثير بقرارات النّاس دون أن يدروا.
هناك طرق عديدة للإعلانات في التّلفاز كأن يُلوَّن استوديو البرنامج بلون المُنتج الرّاعي لهذا البرنامج، أو أن تظهر مُنتجات لشركات معيّنة "بشكل عفويّ جدًّا" في تلك البرامج، حتّى برامج الأطفال لم تسلم من تلك الإعلانات، حيث يكون هناك مُنتجات غذائيّة معيّنة ومتكرّرة بشكل واضح في برامج مخصّصة للأطفال للتأثير عليهم وعلى نمط استهلاكم.

الإعلانات في مواقع التّواصل الاجتماعيّ

ومع كلّ هذه التّعقيدات في إعلانات التّلفاز، فإنّ الإعلانات في مواقع التّواصل الاجتماعيّ أصبحت أكثر تعقيدًا وإرباكًا، لدرجة أن نستصعب نحن البالغون أحيانًا في التّفريق بين المادّة الإعلاميّة والمادّة الإعلانيّة، فالحديث هُنا لا يدور حول شركات ومُنتجين إنّما أشخاص مدوّنين ومصوّرين وفاعلين على مواقع التّواصل الاجتماعيّ يروّجون لنا بعض المنتجات الّتي يستعملونها، ويشرحون لنا –بحماسة عجيبة- عن تأثير هذا المنتج على حياتهم كلّها، المُخيف في هذا النّوع من الإعلانات بأنّنا حين نُشاهد قناةً معيّنة على التّلفاز فنحن نتعامل معها كمؤسّسة وشركة لها أهداف ماليّة خاصّة، في حين عندما نتعامل مع الأشخاص الّذين نتابعهم في مواقع التّواصل الاجتماعيّ فإنّنا نتعامل معهم بشكلّ شخصيّ ووديّ، ربّما نتعامل معهم أيضًا "كمعجبين"، هذا النّوع من العلاقة يجعلنا واثقين بما يروّجونه لنا من مُنتجات، رغم علمنا أحيانًا بطبيعة عملهم، إلّا أنّ تأثير هذا النّوع من الإعلانات يكون أقوى من تأثير الإعلانات على التّلفاز، أوّلًا لأنّنا نتعامل مع "شخص" لا مع "شركة"، وثانيًا لأنّنا ننتج علاقة وديّة –عادة- مع الأشخاص الّذين نُتابعهم. 

إذًا فقد بدا واضحًا بأنّ تأثير الإعلانات الظّاهرة والخفيّة والأكثر خفية هو كبير جدًا علينا كبالغين، فما بالنا بأطفال لم يفهموا لا أهداف الشّركات والأشخاص ولا مفاهيم الاستهلاك وثقافة "الشّراء لأجل الشّراء"، أيّ تأثير ستجلبه تلك الإعلانات على أطفالنا وأنماط استهلاكهم؟!

ما هو دورنا كأهل؟
دورنا الأوّل يتمثّل بأن نكون قدوة لأطفالنا، فإن كان الاستهلاك نمط حياتنا، فسيُصبح كذلك عند أطفالنا، وإن كُنّا من النّوع الّذي يسارع في شراء كلّ جديد في عالم الموضة أو الالكترونيّات أو غيره، فلا يجب أن نُعاتب أطفالنا إن لم يتوقّفوا عن مطالبتنا بشراء تلك اللّعبة أو ذاك المُنتج.
النّقطة الثّانية هي الحوار والنّقاش ومحاولة الإقناع، أكبر خطأ تربويّ مع أطفالنا أن نتعامل معهم كأنّهم جهلة وأغبياء لا يفهمون. من المهمّ أن نشرح أهداف الشّركات، لماذا يسوّق التّلفاز هذا المنتج، لماذا تريد الشّركة أصلًا بيع هذا المنتج، لماذا يتحدّث "اليوتيوبر" المفضّل عن منتج معيّن ويطالبنا بشراءه، بل ويُساعدنا بتخفيض ثمنه. يُمكن طرح ذلك على هيئة أسئلة وليس بالضّرورة بشكلٍ تلقينيّ، اسألوا الطّفل لماذا وساعدوه ليفكّر ويُصبح حرًّا من الاستهلاك.
النّقطة الثّالثة أن نُشاهد برامج أطفالنا معهم، أن نُتابع قنواتهم المفضّلة على "اليوتيوب"، حتّى ولو بشكلٍ فرديّ، من المهمّ أن يظهر الوالد أو الوالدة كمُهتمّين بهذه القناة لا كمُلاحقين للطّفل، وهذا حتّى يمكّنهم من بناء حوار حول المادّة الّتي شاهدها الطّفل، ومناقشة فحوى تلك القنوات.

أخيرًا.. أرجو لكم ولأطفالكم حياة حرّة بعيدة عن الاستهلاك وثقافة الشّراء لأجل الشّراء، وما أبغضه من أسلوب حياة.


مصادر:
ד. למיש (2002) לגדול עם הטלוויזיה .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )