10.3.18

التّلفاز واللّغة: هل يساعد التّلفاز في تحسين الثّروة اللّغوية عند الطّفل أو اكسابه لغة أجنبيّة؟


قد تبدو إحدى النّصائح التّربويّة المتكرّرة حول التّلفاز ووسائل الإعلام عمومًا تقليص عدد ساعات استخدام الطفل لتلك الوسائل، فبحسب بحث
Naigles & mayeux  فإنّه كلّما زاد عدد السّاعات الّذي يخصّصه الأطفال في جيل 3-4 سنوات في مشاهدة التّلفاز فإنّ مستويات معيّنة من تطورّهم اللّغوي تقلّ(2001). وإن كانت تلك النصيحة مهمّة وجوهرية، فإنّ السّؤال المهمّ أيضًا قبل الحديث عن تقليص الاستخدام هو كيفيّة الاستخدام، فهل مجرّد بأنّ الطّفل قد جلس أمام الحاسوب أو التّلفاز عدد ساعات أقلّ فإنّ هذا بالضّرورة يعني استخدامًا صحيحًا وآمنًا له؟
من المهمّ جدًّا أن نسأل أنفسنا كيف يُمكن أن يكون التّلفاز أو الهاتف وسيلة تربويّة لا مجرّد طريقة "نتخلّص" فيها من أطفالنا، وكيف يُمكن أن لا يكون وسيلة تهدم قيمًا حاولنا تنشئة أطفالنا عليها؟ وإنّي هُنا أودّ أن أطرح بديلًا بدل أن نستمر في انتقاد أشياء أصبحت جزءً من حياة أطفالنا، وكيفية استثمار تلك الوسائل لتنمية أطفالنا.
ومع أنّ مجالات التّنمية متعدّدة وكبيرة، إلّا أنّني سأطرح في هذا المقال سؤالًا حول اللغةِ والتّلفاز، وأريد أن أتسائل هل يُمكن أن يساعد التّلفاز في تنمية المهارات اللّغوية لدى الطفل؟ وفي أيّ جيل؟ وهل يُمكن أن يُساعده في اكسابه لغة أخرى؟ وما هي الشّروط لذلك؟



يُمكن أن تكون نوعيّة البرامج الّتي يشاهدها طفلك وجودة اللّغة فيها نسبة إلى عمره طريقة مناسبة لك لتقييم الثّروة اللّغويّة عند طفلك، حيث وُجد بأنّ الأطفال الّذين كانوا أقلّ تطوّرًا من النّاحيّة اللّغويّة فضّلوا مشاهدة برامج فقيرة لغويًّا، في حين أنّ الأطفال الّذين استخدموا لغة ثريّة وراقية فضّلوا مشاهدة البرامج الغنيّة لغويًا (Selnow & bettinghause, 1982).
وقد بيّنت الأبحاث كذلك بأنّ الأطفال الّذين يقضون ساعاتٍ أكثر أمام التّلفاز كانت ثروتهم اللّغوية ضحلة وفقيرة، والعكس صحيح، يمكن تلخيص ذلك بالقول أنّ العلاقة بين مشاهدة التّلفاز والتّطوير اللّغويّ متعلّق بكميّة الوقت الّذي يقضيه المشاهِد وكذلك في نوعيّة البرامج الّتي يُشاهدها (Lemish,2002).


ميبيل رايس هي إحدى الباحثات المركزيّات في هذا المجال، وقد حلّلت لغة ثلاث برامج تربويّة أمريكية مخصّصة للأطفال، وهي شارع سمسم، حيّ السيّد روجرس، وشركة الكهرباء، ووجدت بأنّ هذه البرامج قد استخدمت لغة مناسبة لجيل المشاهدين، اللّغة شملت استخدامًا متكررًّا للعبارات، أسئلة نعم ولا، وأسئلة "ما، من، متى، كيف، ولماذا؟"، وصف كلاميّ لما يشاهده الطّفل، وكذلك فإنّ إيقاع الحديث ناسب إيقاع الحديث الطّبيعي للأمّهات حين يقصصن قصّة لأطفالهنّ في جيل صغير. أمّا السّلبيّة الوحيدة لتلك البرامج فهي بأنّها لا توفّر مشاركة المشاهدين بتفاعل كلامي معها (Lemish,2002).
 لذا فحتّى تستطيعي تقييم المستوى اللّغوّي لأيّ برنامج تلفزيوني يشاهده طفلك يمكنكِ تقييمه بحسب: 
1. تكرار العبارات.
2. أسئلة نعم ولا.
3. أسئلة "ما، من، متى، كيف ولماذا؟"
4.وصف كلاميّ لما يشاهده الطّفل
5. إيقاع الحديث ومناسبته لجيل الطّفل. 

مشاهدة طفلكِ لبرامج تضمن تلك الشّروط (مع الانتباه للأفكار الّتي تمرّرها تلك البرامج وكميّة الوقت الّذي يقضيه طفلكِ أمام التّلفاز) تعني تطوّرًا في المستوى اللّغويّ لطفلك، حيث بيّنت الأبحاث وجود علاقة إيجابيّة بين مشاهدة تلك البرامج وبين تحسّن المستوى اللّغويّ عند الطّفل (
Rice at al,1990).
من المهمّ التأكيد أيضًا على أنّ ملائمة جيل الطّفل للبرنامج الّذي يشاهده هي مهمّة، فإنّ مشاهدة طفل بعمر 6 سنوات لبرنامج مخصّص لأطفال بعمر 3 سنوات لن تثريَ لغته وتحسّنها، فوفقًا للأبحاث فإنّ النّتائج (في تحسين الثّروة اللّغويّة للطّفل) لم تكن موجودة عند الأطفال بعمرٍ أكبر (
Lemish,2002). 

إذا وجدنا إمكانيّة في أن يكون التّلفاز سببًا في التّطوّر اللّغويّ، فإنّه يمكن فحص مساهمته في إكساب المشاهد لغة أجنبيّة، هذا السّؤال متعلّق بشكلِ خاصّ عند الأطفال الّذين يشاهدون ساعات طويلة ببرامج لا تتحدث بلغتهم الأم
.
في أحد الأبحاث حول تعلم لغة أجنبيّة، وجدت الباحثة بلوسر (1998)علاقة إيجابيّة بين زمن المشاهدة لبرامج باللغة الإنجليّزية لطلّاب أجانب (حتى ثلاث ساعات في اليوم) وبين مهارة قراءة اللّغة الإنجليزيّة عندهم، من المهمّ أن نؤكد بأنّ التّلفاز حسّن المستوى اللّغوي في اللّغة الانجليزيّة عند أولئك الّذين كانوا أصحاب مهارات معيّنة في اللّغة الإنجليزيّة، أمّا أولئك الّذين كانوا بدون أيّ مهارات في تلك اللّغة، فإنّ التّلفاز لم يحسّن من لغتهم أبدًا. بعض الأبحاث فحصت مساهمة البرامج مع ترجمة مصاحبة باللّغة الأمّ لاكتساب ثروة لغوية في اللغة الإنجليزيّة. إحداها فحص كيف تعلّم طلاب الصّف الرّابع والخامس في هولندا كلمات إنجليزيّة من برنامج مع ترجمة مصاحبة باللّغة الهولنديّة (Koolstra & Beentjes,1999)، وقد بيّنت النّتائج التي قارنت بين الأطفال الّذين شاهدوا البرامج بالإنجليّزية مع ترجمة مصاحبة مقابل برامج بالهولنديّة،  بأنّ التّرجمة المصاحبة حسّنت من إنجازاتهم في امتحان الثّروة اللّغويّة في اللّغة الإنجليزيّة. الطّلّاب كانوا قادرين على قراءة التّرجمة أثناء سماع اللّغة الإنجليزيّة. 


يمكن تلخيص الأبحاث المتعلّقة بتأثير التّلفاز على اكتساب لغة أجنبيّة:
أوّلًا: تعلّم لغة لا يلزم بالضّرورة تكرار العبارات والجمل، فلا يلزم المتعلّم إعادة وتكرار الجمل الّتي يسمعها حتّى يتقن اللّغة.
ثانيًا: في مراحل تعلّم اللّغة هناك "المرحلة الصّامتة" والّتي يستوعب المتعلّمون أثنائها أساسيّات اللّغة قبل أن يبدئوا فعليًا باستخدامها والتّعبير بها. يُشير الباحثون على أنّ عمليّة اكتساب اللّغة ليست عمليّة أحاديّة إنّما عمليّة تذويت وتفاعل مع اللغة، مع محاولة تكيّف وملائمة مستمرة، حتّى السّيطرة الكاملة على اللّغة، لذا لا حاجة لتعلّم هياكل لغويّة معيّنة بترتيب ثابت، أو الانشغال كل الوقت بتصحيح الأخطاء.
ثالثًا: تعلم لغة أجنبيّة متعلّق بالمهارات الموجودة عند المتعلّم في لغته الأمّ، الاهتمام باللغة الأم وتذويتها عند الطفل مهمّ لاكسابه لغة أجنبيّة جديدة.
رابعًا: تعلّم اللّغة لا يعني فقط اكتساب كلمات جديدة أو تعلم قواعد معيّنة، إنّما تعلّم الحوار الثّقافي، لكلّ مجتمع لغويّ هناك طرق حديث خاصّة الملائمة لشروط مختلفة ولأهداف اجتماعيّة مختلفة. (Lemish,2002)

أخيرًا، فإنّه قد يواجه المربّون مشاكل تربويّة أكثر تعقيدًا من ذي قبل، لكن بالمقابل فإنّ هناك وسائل وأدوات وطرق تربويّة حديثة لم تكن من قبل يمكن استثمار وجودها في سبيل تطوير مهارات الأطفال وتنمية قدراتهم، ومنها التّلفاز ووسائل الإتّصال المختلفة.

 مصادر: 

Blosser, B. (1988). Television, reading and oral langauge development: The case of Hispanic child. NABE Jouurnal.
Koolstra, C.M & Beentjes, J.W.J. (1999). Children's vocabulary acquisition in foreign language through watching subtitled TV programs at home. Educational Technology Research and Development
Naigles, L.R & Mayeux, L. (2001) Television as incidental language teacher. In D. Singer and J. Singer, Handbook of children and the media.
Selnow, G.W & Bettinghuas, E.P (1982). The relationship of students' reading skills to TV watching, leisure time reading, and homework. Journal of Reading.
Rice, M.L., Huston, A.C., Truglio, R & Wright,J. (1990). Words from "Sesame Street": Learning vocabulary while viewing. Development Psychology
ד, למיש (2002) לגדול עם הטלוויזיה.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )