18.3.18

ديزني وتوجّه جديد نحو النّسويّة



واجهت أفلام ديزني نقدًا نسويًّا حادًّا حول الأفكار الّتي تُمرّر للأطفال خاصّة الإناث، فقد لاقت نقدًا حول التقسيمات الجندريّة وظهور شخصيّات ذات توجّه مغاير للجنس فقط، وكذلك بسبب الصّورة النّمطيّة للمرأة والرّجل المعروضة في أفلامها. قامت ديزني بإنتاج فيلم "سنو وايت والأقزام السبعة
" (1937) وفيلم سيندريلا (1950) وفيلم الأميرة النّائمة (1959)، وقد انتقدت النّسويّات هذه المرحلة من الأفلام ووصفتها بالأفلام الذّكوريّة والرّجعيّة، حيث تظهر المرأة بمظهر الجنس الأضعف، الّذي ينتظر المساعدة من الرّجل ليخرجها من أزمتها، كما أنّ النّساء هنّ ربّات بيوت سعيدات ينتظرن أزواجهن، في حين تظهر شخصيّات الرّجال بمظهر أكثر قوّة وحزمًا واستقلاليّة.
هذا الأمر تغيّر –ولو بشكلٍ جزئيّ- مع صعود التّيّار النّسويّ خلال حقبة الستّينيّات والسّبعينيّات وأوائل الثمانينيّات، حيث شهد المجتمع الأمريكيّ تغيرًّا جذريًّا في مفاهيم الجندر عمومًا ومكانة المرأة خصوصًا، الأمر الّذي أثّر على مضامين أفلام ديزني في تلك الحقبة. يشير الصّحفيّ كاثي مايو مؤلّف كتاب عرائس ديزني إلى التّغيّرات الّتي حلّت بشخصيّات ديزني النّسائيّة، حيث يقول: "على مرّ السّنين يُمكن أن نُدرك ونلاحظ النّضج في أميرات ديزني،حيث أصبحن أكثر استقلاليّة، ولم يعد الاعتماد على الذّكور ضروريًّا لإنقاذهنّ، كما كنّ من قبل" (المسلماني، 2016).
وقد ظهر ذلك جليًّا في كارتون "الحوريّة الصّغيرة" (1989) الّذي نرى فيه "آريل" حوريّة البحر الّتي ترفض الانصياع لأوامر والدها الّذي يمنعها من الالتقاء بالبشر ويأمرها بالاحتياط منهم، فتقرّر هي أن تكتشف العالم بمفردها، بل وتقع في حبّ أحد الأمراء وتترك أهلها من أجله، يمكن أن نفهم أنّ والدها  يمثّل "البطريركيّة الأبوية" في الفيلم، ويدعو إلى التّمرّد على هذه السّلطة حتّى لو أدّى ذلك إلى مشكلات لها. أمّا فيلم مولان (1998) فقد كان من أحد الأفلام البارزة والمعروفة بكونها تحمل أفكارًا نسويّة واضحة، والّذي نرى فيه فتاة لديها صفات القوّة في القتال قد تفوق فيه قدرة الرّجال، وتبرز مقولة سيمون دي بوفوار على أنّ الأنثى لا تولد أنثى، إنّما تُصنع لتكون كذلك. أيّ أنّ المجتمع ومتطلّباته هو الّذي يبني الهويّة الجندريّة للرّجل أو المرأة وليس الاختلافات البيولوجيّة بحسب ادّعاء النّظريّة النّسويّة (المسلماني، 2016).



أمّا فيلم ملكة الثّلج (2013) والّذي لاقى اهتمامًا كبيرًا عند البعض، وحدثت نقاشات ساخنة حول المحتوى النّسويّ للفيلم، وطُرح السّؤال: هل فيلم ملكة الثّلج هو الأكثر نسويّة حتّى الآن؟ وسؤال: هل فيلم ملكة الثّلج هو فيلم نسويّ بما فيه الكفاية؟، يدّعى البعض بأنّه فيلم نسويّ لأنّه كانت الشخصيّتين المركزيّتين في الفيلم من الإناث، "أخوات يحببن بعضهنّ ولا يتمّ حمايتهنّ من قبل رجال". في حين علّق آخرون بأنّ فيلم ملكة الثلج ما هو إلا نسويّة كاذبة (Brockmann,2013).


يدّعى باحثون بأنّه وحتّى نستطيع تقييم مكانة النّساء في أيّ فيلم فإنّه يُمكننا اتباع امتحان Bechdel والإجابة على الأسئلة التّالية:
1. هل الفيلم يحوي امرأتين تحملان اسمًا؟
2. هل تتحدّثان مع بعضهما؟

3. هل تتحدّثان عن شيء غير الرّجال؟
الإجابة على الأسئلة الثلاث بـ"نعم" تعني اجتياز الفيلم لهذا الامتحان. ويبدو من التّدوينات والمراجعات الّتي ناقشت نسويّة الفيلم بأنّه قد نجح في اجتياز هذا الامتحان. في حين يدّعي آخرون بأنّه ليس الفيلم الوحيد من إنتاج شركة ديزني الّذي اجتاز هذا الامتحان حتّى ندّعي بأنّه "نسويّ" (Brockmann,2013)

كتبت داني كولمان مقالًا حول رفضها لفكرة نسويّة الفيلم، حيث بيّنت بأنّه ليس الفيلم الوحيد الّذي لا ينتهي بزواج، فهناك 36 فيلمًا من إنتاج ديزني انتهى بدون زواج مقابل 7 أفلام فقط مع مشاهد زواج، أمّا عن مظاهر الخطبة، فهناك 14 فيلم لم يظهر فيه مشاهد خطبة مقابل 12 فيلم ظهرت فيه مشاهد الخطبة، كما أنّه ليس الفيلم الوحيد من شركة ديزني الّذي اجتاز امتحان Bechdel ،فهناك 11 فيلمًا من إنتاج شركة ديزني قد اجتازته، بالإضافة إلى أنّ كل أفلام ديزني فيها بطلات إناث مؤثّرات  و"ملكة الثّلج" ليس الفيلم الوحيد من بينهم. تكمل كولمان، "صحيح أنّ هناك شخصيتين أنثويّتين بدور البطولة، لكن بالمقابل فإنّهن الإناث الوحيدات في كلّ الفيلم، فلماذا "آنّا" تحتاج رفيقًا ذكرًا ، فقد كان من الممكن أن تكون أنثى بدون أن يُقلّل ذلك من جماليّة القصّة".


من الملاحظ بأن هناك جدالات حادّة وآراء مختلفة حول كون ديزني تتّجه نحو النّسويّة حقًّا، أم أنّها مجرّد "نسويّة كاذبة" تتخلّص فيها من انتقادات رافقتها طيلة سنوات عرضها. رغم أنّ التغيير الذي حلّ بديزني بدا سريعًا ومتطرّفًا، فمن أميرات راقيات وهادئات صاحبات أصوات رقيقة وجمال فتّان في العادة يواكب الجمال الأبيض، أميرات ينتظرن فارسهنّ على حصانه الأبيض، إلى أميرات ثائرات يصرخن ويتمرّدن ويرفضن. وهذا التّغير يخيفني من القادم من أفلام ديزني:
 
أوّلًّا : لأنّ هناك عرض لخيارين لا ثالث لهما، فإمّا حبّ رومانسيّ تتحدّى فيه البطلة العالم،  وإمّا رفض لفكرة الزّواج كلّيًّا واعتباره شيئًا يسلب الحرّيّة.
ثانيًا: فإنّه لا يهمّني إن كانت تلك الأفكار حقيقيّة أم محاولة كاذبة للتّخلص من انتقادات كبيرة  نالت ديزني حول وضع المرأة في أفلامها وحول مفاهيم الحب، الزواج، معايير الجمال وحتى التّحرّش ومفهوم المساحة الشخصيّة. لا تهمّني النّوايا بقدر ما يهمّني كيف يمكن أن يؤثّر ضغط عالميّ نسويّ على توجّهات أفلام ديزني، يخيفني أن أتخيّل بأنّ ديزني قد تصبح مكانًا يربّى فيه أبناؤنا على الشّذوذ الجنسي ونرى فيه فتاتين/ شابين يتزوّجان. كلّ هذا متوقع من ديزني الّتي بدأت أفلامها بعنصريّة مقيتة ضد السّود وأكملت مشوارها بالعديد من الايحاءات الجنسيّة ورسائل الكفر والشّعوذة والسّحر، فالشذوذ الجنسي ليس عليهم بكثير.
إنها فرصة إذًا لكي نعرف مدى تأثير الضّغط الإعلامي ولكي يكون لنا مكاننا كمسلمين لمناقشة محتويات ما يُعرض لأطفالنا، نقاش مبنيّ على أدلّة وبراهين لا مجرّد تكرار لنظريّة المؤامرة دون بيّنة. نعم هي مؤامرات وليست مؤامرة، لكنّها تحتاج منّا مواجهة حقيقيّة ورغبة جادّة في الإصلاح، ولن أقول بأنّه من واجبنا على أطفالنا أن ننتج لهم "البديل"، بل من واجبنا أن ننتج لهم الأصل.
من المهمّ أن أؤكّد بأنّنا لسنا مخيّرين بين "نسويّة" و "ذكوريّة"، حتّى لا يظنّ ظانّ بأنّ رفضنا للأفكار النّسويّة يعني بأنّنا نريد إجبار الفتيات على الزّواج بمن لا يحببن، أو بأنّنا ضدّ وجود نساء ثائرات وقويّات. رفضنا للنّسويّة هو مبدئيّ لأنّ محاولة أسلمة النّسويّة هي محاولة ترقيع ليس إلّا، فيُمكن أن ندعم النّساء ويكون لنا موقفنا الإسلاميّ من مكانة المرأة دون أن نُخيّر بين"النّسويّة" كحركة وبين "الذكّورية" كمفهوم، فالنّسوية -وخاصّة موجة النّسويّة الثّالثة- أساسها أصلًا تعدد الهويّات الجندريّة والميول الجنسية، وهذا مرفوض قطعًا في الدّين الإسلاميّ، وليس محلّ نقاش أو تفاوض، فكيف يُمكنني –كمسلمة- أن أنتمي للنّسويّة ثمّ أرفض أبجديّات مبادئها؟ هذا لا يعني بأنّنا لا نتّفق والنّسويّة في بعض ما يُطرح، لكنّنا نجدُ المتّفق عليه من الفروع، وليس من أصل النّسويّة وعقيدتها.


قد يُقال: ماذا نريد إذًا؟ أي الأفكار نُريد تمريرها لأطفالنا وفتياتنا؟ هل مفاهيم القوّة والاستقلاليّة والنّضوج تخصّ الرّجال فقط؟ وما هي القوّة أصلًا وما هو تعريفها؟ حتّى أجيب على هذا السّؤال أعرض عليكم فيلم "أسد عين جالوت" أحد الأفلام الممتازة من إنتاج إسلاميّ خالص، والّذي يعرض أفكارًا سليمة توافق الفطرة والعقل، في هذا الفيلم الّذي نرى فيه امرأة تُدعى "جلّنار" تُقاتل في معركة، تُقاتل من أجل فكرة، ومن أجل الإسلام لا من أجل أن يُقال "قاتلت امرأة وتفوّقت على الرّجال"،  ينتهي مشهد استشهادها بشكلٍ جميلٍ ومؤثّر جدًّا حين تقول "جلّنّار" لزوجها : "لا تفكّر فيّ الآن فكّر في الإسلام والمسلمين"، ونرى في مشهد آخر شابًّا وفتاة أخوين يتعلّمان القرآن والفقه والرّياضيّات والرّمايّة والفروسيّة، هذا الفيلم يُبيّن العلاقة الطّبيعيّة بين الرّجل والمرأة ولا يحوّلها لمصدر صراع أو تنافس، بل تكامل، وحتّى إنّ تفوّق بعض النّساء في مجالات الرّجال (إن صحّ أن نسمّيها كذلك) لا يعني بأنّ المرأة لا تُخلق مرأة بل تُصنع كذلك، ولا يعني وجود هويّات جندريّة متعدّدة، بل يعني ببساطة اختلاف النّساء واختلاف قدراتهنّ وهذا لا يُقلّل من أنوثتهنّ ولا يعني وجود هويّة جندريّة جديدة.

إنتاج أفلام كرتون ذات تصوّر إسلاميّ واضح، وذات أفكار تتعدّى عرض الشّعائر أو العبادات الإسلاميّة إنّما أفكار تواجه الأيديولوجيات العالميّة وتعرض تصوّر الإسلام منها لا أبالغ إن قلت بأنّه واجب علينا كأمّة، ولا أبالغ أيضًا إن قلت بأنّها معركة بل قُل معارك فكريّة قلّ الانتباه لها والعمل على مواجهتها، وهي من أخطر المعارك وأوجبها علينا، أوّلًا لأنّها موجّهة لأطفالنا، وثانيًا لأنها تخاطب عقولهم وتغيّر من تصوّراتهم، فأيّ شيء أخطر من هذا؟ وأيّ جهدٍ أسلمُ من مواجهة تلك الأفكار؟ .. وللحديث بقية.

مصادر:

كيف تغرس "ديزني" قضايا الجندر والنّسويّة في عقول فتياتنا؟ (الجزء الأول)
كيف تغرس "ديزني" قضايا الجندر والنّسويّة في عقول فتياتنا؟ (الجزء الثّاني)
M, Brockmann(2013) Do you want to be a Feminist? Frozen
The problem with false feminismThe Bechdel Test for women in movies

هناك تعليقان (2):

  1. فظيعة

    ردحذف
  2. رائع ..
    كم نحتاج لاشخاص يفكرون بهذا العمق وبهذه الطريقة ..
    بارك الله لك فيما تفعلين وتكتبين .. وثبتك على الطريق ..

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )