27.8.17

لماذا من المهم أن "نتصالح" مع أجسامنا ؟

عندما تطرح قضية تقبل الجسم تثار مسائل عن تفضيل البيضاء على السمراء، وذات الشعر الناعم على ذات الشعر المجعد، ويتم تكرار ديباجة تقبلي نفسك بدون ماكياج وبدون إضافات.. تماما كما أنت.
لكنني أعتقد -ومع أهمية طرح هذا الموضوع- بأن هناك مسألة أهم من أن "تتقبل" الفتاة لون بشرتها ونعومة شعرها، لكن أن تتقبل بداية جسدها كأنثى، أن تحب جسمها وتفخر فيه. "تفخر فيه"؟ تبدو مخيفة؟ تعال نتفق إذا: أن أحب شيئا لا يعني بأنني مجبرة على إظهاره، أن أفخر بشي لا يعني بأنني مجبرة على التباهي به، وهذه النقطة استغلتها بعض النسويات لإقناع المسلمات بخلع الحجاب، تخفين شعرك وجسمك؟ إذا أنت لا تثقين بنفسك، ولا تحبين جسمك، كوني حرة وواثقة أحبي جسمك وتقبليه وأثبتي لنا ذلك بكشفه وإظهاره، مع أن إظهار الجسم لا يعبر عن تقبل له بالضرورة.

أعتقد أن إحدى المشاكل في التّعامل مع الجسم بشكلٍ عام والأنثويّ بشكل خاصّ هو أنّ هناك عدم تفرقةٍ بين مفهومي السّتر والحياء كقيم مهمّة في ديننا وبين عدم التّقبّل للجسم أو اعتباره شيئًا مُشينًا. لقد كان الجسم هو الوسيلة لتعرف الإنسان على بشريته، وكان الطريق لاستخلافه على الأرض، فقد كانت بداية التّعرّف على الجسم عندما أكل سيّدنا آدم وزوجته حوّاء عليهما السّلام من الشّجرة فبدت لهما سوءاتُهما، فهرعا إلى ورق الجنّة ليسترا هذه السّوءة، وهُنا السّؤال: هل هذا يعني بأنّ الإسلام ينظر إلى أجسامنا كسوءة؟ كشيء معيب بحدّ ذاته؟ فالإسلام حينَ تحدّث عن ما يجب علينا كنساء ورجال ستره، سمّاها بالعورة، فالرّجل عورته من سرّته حتّى ركبته، والمرأة كُلّها عورة عدا وجهها وكفّاها أمام الرّجال الأجانب، والعورة تعني الخلل والعيب في الشّيء أو الشّيء القبيح والمشين، هل هذا يعني بأنّ الإسلام ينظر إلى أجسامنا كشيء معيب وقبيح ومشين؟! هل الجسم هو مشين وقبيح بحدّ ذاته، أم أنّ القبح في عدم ستره؟ إن كان الإسلام ينظر إلى أجزاءٍ من أجسادنا كعورة بحدّ ذاتها لما اختلفت العورة أمام الأجنبيّ أو المحرم أو حتى الزوج، فالقبيح هو القبيح! لكن تجدُ أنّ مفهوم العورة يختلف في كلّ حالةٍ، فليس من المعيب أو المشين أن تكشف المرأة شعرها ويداها أمام أبيها، لكنّه مشين وقبيح أن تكشفه أمام رجل أجنبيّ عنها، فإذًا شعرها ليس عورةً بحدّ ذاته، لكنّ كشف الشّعر أمام الأجنبيّ هو العورة. وهذا لا يعني قطعا تعقيد المسألة وتغيير كتب الفقه لنقول "كشف المرأة لشعرها أمام الرجال الأجانب هو العورة لا شعرها بحد ذاته..".

لماذا من المهمّ أن نؤكّد هذا؟ أليس من الأفضل أن نقتصر على تربية الفتيات على الاحتشام والالتزام بالزيّ الشّرعي دون تعقيد وفلسفة هذه المصطلحات؟ التّأكيد على فكرة أنّ الجسم ليسَ عورةً بحدّ ذاته وليس مُشينًا كونه بهذا الشّكل، إنّما المشين هو كشفه وعدم الاهتمام بستره أمام الأجانب يجعل النّساء أكثر تقبّلًا لأجسامهنّ، ولخصائصهنّ كإناث، ويجعل المجتمع كذلك الأمر يتعامل مع جسم الأنثى بشكل مختلف، بدون صور نمطية مشوهة ومغلوطة، إذ تجدُ مثلًا -نتيجة لذلك- بعض الأحاديث الموضوعة الّتي تنهى الرّجل عن النّظر إلى فرج زوجته، وإلّا سيُصاب بالعمى! وهذا لأنّ مفهومنا حول أجسامنا وحول الجسم الأنثويّ بشكلٍ خاصّ مرتكز على مفاهيم مشوّهة تعتبر الجسم شيئًا يدعو للعار، وحتّى إن نظرت إلى مفهومنا كعرب إلى الجسم الأنثويّ تجدُ أنّ مجرّد ذكر العضو الأنثويّ لأخت الرجل أو أمه هي مسبّة بحدّ ذاتها، فدون أن تُلصق به أيّ صفةٍ سلبيّة هو مسبّة ومدعاة للشّعور بالعار! والسؤال لماذا؟

لماذا من المهم أن نتصالح مع أجسامنا؟ لأن هذا يعبر عن نفس سوية راضية تقبل الاختلافات وتفهم الاحتياجات، لأن هذا يجعلنا لا نخجل من غرائزنا ولا تغيراتنا الجسمانية ولا هرموناتنا.
أفكر أحيانا في آية "ويسألونك عن المحيض.." وقد اصطفت إلى جانبها آيات ابتدات ب"يسألونك" عن اليتامى.. عن ذي القرنين..عن الأهلة.. عن الجبال... إنه مجتمع سوي يسأل عن شيء خاص بجسم الإناث، مجتمع يتناقش فيه ويريد أن يفهمه ببساطة، مجتمع يفرق بين مفهوم الحياء ومفهوم المعرفة والنقاش العلمي الواضح. والله العلي العظيم الحيي الستير يعرض مسألة الحيض بوضوح في القرآن الكريم.
لماذا من المهم أن نتصالح مع أجسامنا؟ لأن مفهوم الجسم سواء الأنثوي أو الذكري في أذهاننا يؤثر على مفاهيمنا الأخرى وتصوراتنا وسلوكياتنا. يؤثر في علاقتنا مع أنفسنا، مع أزواجنا، بل وحتى مع أبنائنا، أوليس الحمل والولادة والنفاس والرضاعة جزء من تغيراتنا الجسمانية؟ كيف يمكن أن تربي امرأة ابنها تربية سوية وهي تتعامل مع هذه التغييرات بقرف وضجر؟
لماذا من المهم أن نتصالح مع أجسامنا؟ لأن هذا التصور يمس في قضايا كثيرة ومتنوعة أخلاقية، من الدرجة الأولى.
لماذا من المهم أن نتصالح مع أجسامنا؟ لأنها من صنع الله لأنه أحسن تقومينا وخلقنا، لأنها جزء من إنسانيتنا وبشريتنا، لأنها جزء منا، بل لأنها نحن حقيقة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )