31.3.16

نعم، أرضاه لأختي!

هكذا صاح العلمانيّون في وجوهنا بعدما قُلنا لهم قولًا يُشبه ما قاله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للشّاب الّذي طلب منه الزّنى: "أترضاه لأختك؟" قالوا: "نعم نرضاه! ولم لا نرضاه؟ وهل أختي/أمّي/عمّتي/خالتي هي مُلكي؟ أقرّر لها وعنها؟ أختار تصوّراتها في الحياة، معتقداتها، تصرّفاتها؟ نعم، كما أرضاه لنفسي أرضاه لأختي.. أرضى أن ترتدي ما تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء، وليس لديّ مشكلة مع هذا بتاتًا.." 
أمّا نحن فقد رفعنا رؤوسنا وكأنّنا لم نهتز.. آه حسنًا، هذا لأنّه لا شرف ولا عرض ولا غيرة لديكم، لأنّ الفطرة انسخلت عنكم، فأصبحتم كأنعام بل أضلّ سبيلًا..



مهلًا مهلًا.. تعال نعود إلى زمن المصطفى لنفهم لمَ قال عليه الصّلاة والسّلام للشّاب ما قال؟ تعال نعود للبيئة العربيّة في ذلك الوقت، لتفكير الشّباب هناك، لتصوّرهم عن المرأة/الشّرف/الغيرة/المروءة، تعال نتخيّل ما هي عقليّة الشّاب الّذي طلب من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الزّنى؟ أهيَ كعقليّة شباب اليوم؟ بالطّبع لا! فلمَ إذًا لا زلنا نُمارس نفس الأسلوب بنفس الكلمات، لنتعامل مع أشخاصٍ مختلفين في توجّهاتهم وأفكارهم؟ أفكّر.. لو كان سيّدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في زماننا، أقال لذلك النّوع من شباب اليوم: "أترضاه لأختك؟" أم أنّه عليه الصّلاة والسّلام واع باختلاف البشر وتنوّع تصوّراتهم ومعتقداتهم؟ ما هي الوصفة النّبويّة إذًا في التّعامل مع الشّاب الّذي يطلب الزّنى؟ "أترضاه لأختك؟" هكذا فقط؟ مع الجميع؟ في كلّ الحالات؟.. كلّا، ما ذاك ما تعلّمناه من المدرسة المحمّديّة، بل تعلّمنا كيف نتوجّه للنّاس ونقنعهم بالحجّة والبرهان المناسب لطبيعتهم، ما نتعلّمه من ذلك الحديث ليس أن نُكرّر هذه الجملة أمام كلّ شابّ، في كلّ عصر، وكلّ مكان، بل أن نتّجه له وفق تصوّراته هو، نحاول أن نقنعه وفق ما يؤمن، نبحث عن قاسم مشترك بيننا وبينه، وننطلق من خلاله.

البعض سيقول: هل هذه دعوة إلى ترك القرآن والسّنّة؟ هل هذا يعني بأنّ القرآن والسّنّة ليسا مقنعين بالدّرجة المطلوبة حتّى نستخدمهما في كلامنا؟ .. حاشا وكلّا! .. بل السّنّة هي: أن نتوجّه للنّاس ونقنعهم وفق حالتهم وتصوّارتهم الّتي يؤمنون بها، بل.. فلنعد للقرآن لنرى كيف وجّهنا  لكي نُعامل النّاس بطرقٍ مختلفة..

يقول الشّيخ سعيد حوّى في كتابه الأساس في التّفسير:
نُلاحظ أنّ نوحًا -عليه السّلام- قال: {ألّا تعبدوا إلّا الله إنّي أخاف عليكم عذاب يومٍ أليم} وأنّ هودًا -عليه السّلام قال: {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إلهٍ غيره إن أنتم إلّا مفترون} وأنّ صالحًا -عليه السّلام- قال: {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}، فكان تذكيرُ نوح -عليه السّلام- يرافقه الوعظ، وكان تذكيرُ هود -عليه السّلام- يرافقه التّأنيب، وكان تذكيرُ صالح -عليه السّلام- يرافقه التّذكير بالنّعمة، وكلّها طرق يُقتدى بها، ولكلّ منها محلّه وأهله، وكلّ قصةٍ تعرض حججًا وتعرض أجوبة، وتعطينا عطاء خاصًّا، وكلّ ذلك يخدمُ سياق السّورة، فليست كلّ قصةٍ تكرارًا للأخرى، فلكلّ قوم طبيعة، ولكلّ قوم عقوبة، ولكلّ قوم خطاب، ولكلّ قوم ردّ، فتأمّل جوانب الاتّفاق والاختلاف ففي كلّ ذلك من المعاني ما لا يتناهى.

ثمّ إنّني لا أريد أن أنهي كلامي دون أن أردّ على ما قاله هؤلاء ردًّا على "أترضاه لأختك؟"، الحديث لا يعني أنّ المرأة ليست هي صاحبة القرار في تصرّفاتها، ولم لم تكن كذلك لحوسب إخواننا وآبائنا وأبناء عمومتنا بدلًا عنّا، إن لم يعطنا الله عزّ وجلّ الحرّيّة في اختيار طريقنا، فكيف نُحاسب على شيء لم نختره نحن؟ الحديث هُنا لا يعني بأنّ الشّاب هو المسؤول عن تصرّفات جميع بنات عائلته، بل يضع الشّاب أمام حقيقة تناقضاته، لماذا يحقّ لك ولا يحقّ لأختك؟ لماذا ترضاه لنفسك ولا ترضاه لأختك؟ الحديث ينطلق من مبدأ المساواة في الثّواب والعقاب للجنسين، لا من منطلق أنّ الرّجل مسؤول عن تصرّفات كلّ أنثى قريبة له، موضوع القوامة والرّعاية "كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته" لا ننكره طبعًا وله شرح وتفصيل، لكن المهمّ هُنا أنّ المبدأ الّذي ينطلق منه الحديث هو مبدأ المساواة لا مبدأ التّفضيل أو حتّى القوامة والرّعاية! والدّليل على ذلك بأنّه لم تُذكر الأخت وحدها في الحديث، بل ذُكرت الأمّ والابنة والخالة والعمّة، هل الرّجل وليّ على هؤلاء جميعًا وعلى تصرّفاتهما؟ شيء آخر، وهي ملاحظة قرأتها من مقال سأدرجه في نهاية التّدوينة، هو أنّ لفظة الحديث لم تكن "أترضاه لأختك؟" بل "أتحبّه لأختك؟" والفرق بين اللّفظين كبير! 

أمّا ما أراه في الردّ على من يدعو إلى فتح الباب للشّباب والفتيات لممارسة العلاقات قبل الزّواج أو بدلًا من الزّواج، فهي أن نُبيّن لنا ولهم مخاطر هدم مؤسسة الزّواج، مخاطر انفتاح العلاقات، مخاطر عدم وجود مرجعيّة للمطالبة في الحقوق والواجبات، فأين هو حقّ المرأة/الرّجل حين يُفكّر أحدهما بترك الآخر إن لم يكن هناك مؤسسة (وهي الزّواج) تبيّن لهما واجباتهما وتعيد لهما حقوقهما؟ .. أخيرًا، الأبحاث الإجتماعيّة -الّتي يجب أن نقوم بها نحن بالمناسبة :) - هي الحلّ المحمّديّ للردّ والإقناع والإفحام في عصرنا كما أظنّ..
--

أنصحكم بقراءة:
مقال: "لماذا يتشنّجون من أترضاها لأختك؟
 كتاب: العلمانيّة الشّاملة والعلمانيّة الجزئيّة للدكتور عبد الوهّاب المسيري. 

هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيكم و نفع بما تسطرون.

    ردحذف
  2. بالنسبة للكثيرين، اليساريين تحديداً ومن لفّ لفهم، فإنهم يغطون نزعاتهم وأهواءهم وغرائزيهم بطبقة من الأيديولوجيا، أحيانا وهم لا يعون.. هؤلاء لا يُستغرب أن يوجد بينهم من يقبل الكلام أعلاه. لكن امتحانهم الصعب يبدأ عندما يتزوّجون، إذ يختلف سلوكهم عن قولهم السابق فيرتدون عنه. تالياً، عندما يصبحون آباءً لفتيات، يتضاعف مأزقهم. المسألة فطرة سوية ولا علاقة لها بالفكر أو الدين أو الثقافة أو المكان.

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )