14.3.16

منتقبة وتُعاكَس؟ هل الحجاب يحمينا من التّحرّش؟

كنتُ أحادث صديقتين إحداهما مصريّة والأخرى فلسطينيّة تعيشان في السّعوديّة عن حال المعاكسات والتّحرّش هنا في الدّاخل الفلسطينيّ، كلتاهما ترتديان النّقاب، قلت لهنّ بأنّي لم أتعرّض قطّ للمعاكسة، أوه حسنًا أذكر مرّة كنت في الصّفّ الخامس أو السّادس كان أبي يلقي محاضرة في إحدى الجامعات، مقابلي كان هناك شاب أبله يغمز لي.. فعلها مرّة ومرّتين وثلاث، كان منظره غبيًّا ومستفزًّا، كانت هذه المرّة الأولى الّتي أتعرّض لها بشيء كهذا، ربّما الأخيرة لا أذكر.. لكنّ ردّة فعلي كانت عظيمة.. لن أنساها، حدّقت فيه طويلًا وهو استمرّ في ممارسة غبائه، أخيرًا توقّف لأنّه ملّ منّي ومن ردّة فعلي الرّتيبة، طبعًا البعض لن يعتبر هذا معاكسة، فأنا طفلة وهو أراد أن يمازحني، والبعض لن يعتبر الغمزة معاكسة لكنّني سأصدمه وأقول أنّ بعض النّظرات تعتبر معاكسة.. وعلى العموم أظنّها التّجربة الوحيدة، ربّما حدثت معي مواقف أخرى لا أذكرها، لكنّ عدم تذكّري لها يعني شيئًا على أيّة حال..



كنتُ ألمس هيبة الجلباب والخمار وقدرتهما المذهلة في تراجع هذا عن طريقي وغضّ بصر ذاك عنّي، حتّى طريقة تعامل الشّبان معي في جوّ مختلط بالدّيانات والتوجّهات كالجامعة كان جيّدًا في العادة، كلمة "خيتا" كلمة لطيفة أحبّها، حتّى من شخص لا ينتمي لديانتي، كلمة لها هيبتها ووقارها الخاصّ، لكنّ فرحتي بقصّ هذا عليهنّ لم تكتمل حين قالتا بأنّهما تعرّضتا للمعاكسة، سألت إحداهنّ على ماذا يُعاكسونكِ طّيب؟!! قالت "على السّواد! على أيّ شيء" هذا فظيع.. ومخيف!
 
لا أظنّ أنّ تكرار اسطوانة أنّ الحجاب يمنع من المعاكسة.. هكذا.. دون أن نفهم الجوّ العام والتّفاصيل الأخرى هو شيء صائب، أفكّر مثلًا.. ما هو الشيء الّذي جعل حجابي أكثر هيبةً هنا منه في السّعوديّة؟ أهو الإجبار هناك أم ماذا؟ أهي عقليّة معيّنة موجودة هنا وغير موجودة في السّعوديّة؟.. لكن حتّى هنا.. كثيرات يتّعرّضن للمعاكسة والتّحرش، وتحدث مصائب دون أن يدري بها أحد! .. الحقّ أنّ هذا كلّه يحتاج مراجعة، تصوّرنا الإسلاميّ حول المعاكسة ليس شاملًا، كثيرًا ما نُرجع سبب التّحرش للباس الفتاة وتصرّفاتها، وهذا خطأ، هناك منظومة في مجتمعاتنا تشجّع على التّحرّش، بداية من كون الفتاة تخجل في حال تعرّضها له، وتعتبر نفسها مذنبة دائمًا،(لهذا السّبب عرضتُ ما حصل معي، أنتِ لستِ مُذنبة بالضّرورة حتّى تخجلي!)، مرورًا بأنّ هناك مليون تبرير اجتماعي وحتّى ديني للأسف لهذا التّحرّش، وكأنّ الشّاب غير قادر على ضبط نفسه، فإن اعتبر بعضهم ارتداء الفتاة للضّيق والمُلفت دعوةً منها لكي يعاكسها مثلًا (!!) فلم لا يُذكر هنا حديث "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنّي أخاف الله"؟ ولمَ يجب أن تُمرّر رسالة الحجاب بتبرير المعاكسة وتقبّلها وتشجيع الشّباب المُسلم على قول شيء مثل: "البنت اللي محترمة حالها بلبسها بعاكسهاش"؟ وانتهاءً -وهو المهمّ برأيي- غياب العقاب في مجتمعاتنا وإن وُجد عن طريق الشّرطة مثلًا فالقليل من تتوجّه وتشتكي لكونها تعتبر ذلك عارًا عليها!

إلى أين أُريد أن أصل؟ وهل فتاة شبه عارية في شوارع نيويورك تستطيع أن تمشي بهدوء -على الأقل نهارًا-حالها أفضل من صاحبة الخمار في شوارع القاهرة؟ سؤال مخيف صحيح؟
فلنقرأ آية الحجاب كما لو كانت أوّل مرّة .. "ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين" لقد درست الإتّصال، وشاهدت كيف كانت المرأة تُحوّل إلى سلعة، لقد شاهدت -وبكثير من التّقزز- كيف حوّلوا المرأة إلى مجرد أداة للّهو! فلنترك الماكياج وعارضات الأزياء وبرامج "قبل وبعد"، هذه أقلّ مصيبةٍ حصلت للمرأة، التّشيئ في الإعلانات التّجاريّة مُرعب ومثير للغثيان! هذا هو الأذى الّذي أفهمه، الحجاب لا يمنع أذى المعاكسة والتّحرّش فحسب، بل أذى التّسليع وأذى التّشيئ وأذى أن نكون دمى، أذى أن يتمّ تصنيف جمالنا، من قبل الجميع، ويتمّ الضّغط علينا لنُقلّد صورةً مثاليّة ما، إنّ الأذى الّذي يحمينا منه الحجاب عظيم.. أعظم ممّا تتصوّرين! دعكِ من حكايات الدّرر والجواهر، السّبب الرّئيسيّ للحجاب أن لا تتأذَي أنتِ، لا أن لا تأذي الشّاب بفتنته، هذا سبب آخر، لكنّه ليس السّبب الرّئيسيّ.. هكذا يقول القرآن!

من حالها (دنيويًّا) أفضل إذًا؟ فتاة شبه عارية في شوارع نيويورك أم صاحبة الخمار في شوارع القاهرة؟ كلتاهما مسكينتان، الأولى على الأغلب معرّضة على الأقل لأذى أن تكون جميلة وبمواصفات مُحدّدة، ورُبّما معرّضة لأذى التّسليع والتّشيئ، أمّا الثّانية، فهي مسكينة، لأنّ المجتمع الّذي تعيش فيه لا يُطبّق من الدّين شيئًا، فأين آداب الطّريق؟ وأين غضّ البصر؟ وأين التّربية الصّحيحة؟ وأين العقاب؟



الحجاب حماني، أنا أقولها بكلّ ثقةٍ، ربّما كانت هناك ظروف خاصّة لصالحي، لكنّني لن أسمح أبدًا أن تتعرّض كثيرات لمعاكسة ما ويتمّ اتّهامهنّ والتّشفّي بهنّ، حتّى من لا ترتدي الحجاب، لا يجب أن نبرّر عمل حقير من شاب حقير ونقول: "لم تكن محجبة!" هي مخطئة نعم، لكن التّبرير عمل مقزز، كثيرات يتمّ التّعرّض لهنّ ونحن لا زلنا نبرر.. الإسلام حارب الزّنى، علاقة غير شرعيّة برضى الطّرفين، كيف سيكون موقف الإسلام من التّحرّش إذًا؟ علاقة غير شرعيّة بغير رضى أحد الطّرفين... أين المؤسسات والجمعيّات ذات التّصوّر الإسلاميّ الّتي تحارب ظاهرة التّحرش؟ ولماذا المُسبّبات لا تدور سوى حول الفتاة ولباسها ومشيتها وضحكتها؟ ماذا عن دور الإعلام؟ العريّ المُنتشر؟ تصعيب الزّواج؟ الكبت؟ سوء التّربية؟ انتهاك الحرمات؟ غياب آداب الطّريق؟ و..  غياب القصاص :) ! 


التّدوينة القادمة بإذن الله: "نعم، أرضاه لأختي.." 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )