11.2.16

المرأة في عيون "أبي البراء"



كنتُ من أولئك الّذين ينزعجون جدًّا من نشر فتاوى "أبي البراء" وأمثاله، وأعتبر ذلك من المشوّهات للدّين الإسلاميّ، حسنًا حتّى الآن لا زلت أكره نشر تلك الفتاوى ولو على سبيل المزاح، كلمات مثل "حرام، حلال، شبهة، فتنة، ضلالة" تُمرّر في نكتة.. هذا فظيع! أمّا إن كان فيها آيات قرآنيّة وأحاديث.. فهذه مصيبة وكارثة!  لكن الّذي أكتشفه كلّ مرةٍ أنّ أبا البراء ليسَ حالة شاذّة، ولا يمكن أن نقول ببساطة هو يعبّر عن بضعة شيوخ، إنّها عقليّة.. عقليّة منتشرة عند كثيرٍ منّا، هذه الفتاوى وإن كانت مُبالغًا فيها فهي موجودة، هناك فتاوى أخرى وادّعاءات مُخزية تُمرّر باسم الدّين، بكلماتٍ لطيفة أحيانًا، ليس بالضّرورة على طريقة "المرأة بدون حجاب كالبيت بدون ستائر!"، أحيانًا بطريقة فلسفيّة، أو مضحكة، نُشاركها نحن دون أن ننتبه. 




قبل فترة انتقدت مقولةً للرّافعيّ تقول: "أبْلَغُ الرَّدِّ على هؤلاء الغالياتِ في المطالبة بحقوق المرأة، أنَّهنَّ أو أكثرهنَّ، بين واحدةٍ فَقَدَت الرَّجُل، وأخرى سُلِبت الرَّجُل، وثالثةٍ لمْ تَنَل الرَّجُل؛ فهي أحلامُ إفلاسٍ كما تَرَى..." ردّت عليّ صديقة بأنّي أبالغ في طرح قضيّة المرأة وأنّ الموضوع لو كرّرناه في طرحنا سيُصبح بائسًا! .. طيّب، عندي سؤال، لو أنّ أحدًا نشر في موضوع الأسرى الفلسطينيين مثلًا وظلّ يتحدّث عن معاناتهم، هل يعتبر تكراره للموضوع بؤسًا؟ لو أنّ أحدًا ينشر عنحالات ومشاكل يعانيها المجتمع من فقر وجوع، ويطالب الآخرين بالمساعدة هل يعتبر تكرار الموضوع بؤسًا؟ ثمّ إنّ التّكرار كان في القرآن فليسَ فيه مشكلة أبدًا، أمّا فيما يقوله الرّافعيّ فنقول أنّ هناك صورة نمطيّة مُنتشرة حول "المطالبات بحقوق المرأة"، أوّلًّا كُلّنا وبغضّ النّظر من أيّ تصوّر نتحدّث نفس الشّيء، سواءً من منطلق إسلاميّ، أو غربيّ، أو أيّ مدرسةٍ أخرى، كُلّنا مؤطّرات ضمن هذا الإطار، حتّى لو كنّا "نتذبّح" في مفهومنا لحقوق المرأة، نحن في نظرهم متساويات، نفس العقليّة والتّفكير ونفس الأهداف! .. لدينا عقد نفسيّة تجاه الرّجال، ونفلسف كلّ ما نراه، ونريد المساواة مع الرّجال في كلّ شيء، ولا نجيد الطّهي مثلًا وليسَ لدينا حسّ أنثويّ وأشياء أخرى يطول ذكرها.. طيّب قبل أن أبدأ أودّ أن أقول أنّه إن كانَ تعريفُ المطالبة بحقوق المرأة عندكم وفق هذه الصّفات، فإنّي -والكثيرات- براءٌ ممّا تدّعون!.. وعلى هذا الأساس نبدأ ..

هناك فيديو لشيخ كبير معروف يدّعي فيه أنّ الأصل في النّساء الجهل، يستنكر ظهور المراة بنقابها على التّلفاز، ثم يقول: "ماذا لديها من علم حتّى تخرج أمام النّاس؟"، ثمّ يكمل قائلًا: "هل هناك عالمة مسلمة غير مقلّدة ولا تابعة؟ الأصل في المراة الجهل، والعلم للرّجال.." هذا الفيديو رأيته منذ مدّة طويلة، كلّ مرة أقول سأنشره وأعلّق عليه، ثمّ أقول أنّ نشره سيزيد الطّين بلّة، هل يعبّر هذا الشّيخ عن مفهوم أغلب المشايخ حول المرأة؟ لا أدري.. كلّ الّذي أعرفه أنّني تخبّطت، من جهة هذا التّفكير منتشر، من جهةٍ أخرى، أبو البراء الحقيقيّ يتحدّث أمامنا يا سادة! ومشاهدة البعض لهذا العبث تجعله يعتقد بأنّ هذا من الدّين.. ما الحلّ إذًا؟ لا أدري.. الحلّ أن نُكرّر أسطوانة الإسلام أنصفَ المرأة، ونعيد سرد قصص المرأة عند النّصرانيّة والمرأة عند اليهوديّة والمرأة في الهند والمرأة في الغرب وو..؟ من قال بأنّ محاولة "إثبات" أنّ الإسلام أنصف المراة تكون بمقارنته بعدّة أديان وتوجّهات؟ الإسلام هو الإسلام.. لا يحتاج أن نختار أهونَ الضّررين لنقول أنّه أنصف وعدل، بل نفهم من القرآن والسّنّة وحدهما.. نحنُ لسنا مخيّرين بين دفنِ المرأة وبين جعلها حيّة حتّى تمُنّ عليّ بجعلي حيّة الآن وتقول الإسلام أنصفك! ثمّ تمنعني من الخروج والتّعلّم وتقول لو كنتِ في الجاهليّة لدفونكِ، ولو كنتِ في الهند لحرقوكِ حين يموت زوجك! نحن لسنا مخيّرات بين ضررين، بل أمامنا ضرر التوجّهات وخير الإسلام.. ومن الإسلام نستمدّ حقوقنا لا من إختيار الأقلّ ضررًا! نعود لشيخنا الفاضل، الإجابة بسيطة، طريقة تفكيرك منتشرة عند النّساء قبل الرّجال، تصوّر الكثير من نساء المسلمين لأنفسهنّ مخزي بالمناسبة، ولذلك لن تكون تلك العالمة ما دامت أفكارك منتشرة! .. ثمّ إنّه لديّ سؤال: تلك "الجاهلة" الّتي خرجت على التّلفاز، وأعلم ليس الظّهور مشكلتك، إنّما شيء أكبر، لكن تلك المسكينة لم تنجُ من سوط لسانك، فما بالك بالعالمة الكبيرة...؟

لم ننتهِ بعد، اقرأ ما كتبه د.مصطفى محمود: "المرأة فى الغالب عملية جدا.. واقعية جدا عاطفية.. حسية.." كيف يعني واقعيّة جدًا عاطفيّة حسّيّة؟! "نظرتها قريبة.. لا تذهب فى العادة لأبعد من زينتها.. فستانها .. مطبخها .. بيتها .. رجلها .. أولادها .. عائلتها .. جيرتها على الأكثر.." على هذا الأساس مقالي هنا سيُخرجني من دائرة الأنوثة تلك، مدوّنتي هراء، قلمي ليس سوى استرجالًا مقيتًا، جامعتي ودراستي وكتبي ونقاشاتي... كلّ هذا استرجال؟ تعال نُكمل... "المرأة تريد خدمات ملموسة ومسرات واقعية قريبة فى مجال زينتها ولبسها ومصروفها وأكلها وشربها وبيتها .. والرجل لا يهتم كثير بهذه المطالب الملموسة القريبة، وهو أحيانا يضحي بها فى سبيل أهداف بعيدة مجردة غير ملموسة مثل الفن والفكر والحرية والوطنية .. والمرأة فى الغالب لا تفهم هذه التضحية .." المرأة في الغالب لا تفهم هذه التّضحية؟ لا أدري ماذا أكتب، أنا فقط تذكّرت أمّهات الشّهداء، وتذكّرت عاطفة الأمومة أسمى شعور أنثويّ كما أعتقد، لا شيء.. أنا أتذكّرهنّ فقط.....
 "ولكن الأغلبية من الجنس اللطيف تنفعل أكثر بالذهب والألماظ وتبرق عيونها مثل عيون القطط فى الليل أمام واجهات العربات وتوكيلات كاديلاك ومرسيدس .. وفاترينات الجواهرجية .." أوبس! نسيت ديباجة المرأة ((في فطرتها)) تحبّ التسوّق والتّبذير.. أكمل.. "و أنا لا أقول هذا لأهاجم المرأة أو أعيبها .. فليس هذا التفكير طبيعة فيها .. وليس غريزة .. وليس صفة أصيلة من صفاتها .. و إنما هو صفة مكتسبة لا ذنب لها فى اكتسابها ..الذنب ذنبنا نحن" الله أكبر والعزّة لله.. الصّفة مكتسبة يعني؟ والذّنب ذنب الرّجال؟ لا هو بصراحة ذنب الجنسين، لأنّنا معشر النّساء كنّا شريكات في نشر هذا التّصوّر عن أنفسنا، لكن ممتاز.. اعتراف جميل..!
طيّب نكمل مع اقتباس لطيف أيضًا للدكتور مصطفى محمود يقول: "كلّ أحاديث المرأة في فترة الخطوبة عن غرامها بالثّقافة والفلسفة والفكر هي أكاذيب تكشفها حقائق أوّل أسبوع بعد الدّخلة، حينما تبدأ الأحاديث حول الفساتين والموضة وتسريحات الشّعر! كلّهنّ في هذا الهمّ سواء، من حاملات الدّكتوراة إلى حاملات الإعداديّة إلى حاملات الطّشوت" لديّ مشكلتين مع هذا النّصّ أوّلًا أنّه يرى بأنّ هناك تناقضًا بين الفكر والثّقافة وبين الأنوثة... صدّقني ليسَ هُناك تناقض بين العالمين وليس هناك تشارك، عالمين مختلفين ليس بينهما ودّ ولا حربّ، ليس بينهما علاقة ضديّة ولا ودّيّة، ثانيًا استخفافه بعالم الإناث وعرضه وكأنّه لا أهمّيّة له، فليسَ عالم الأنوثة بالتّافه أو السّخيف حتّى يُعرض بهذه الصّورة التهكّميّة، بل إنّ هذا ممّا تؤجر المرأة عليه عند زواجها! .. بالمناسبة، ما قاله الدكتور مصطفى محمود يُعدّ لطيفًا جميلًا نسبةً للفتاوى المنتتشرة والمعروف بأنّها حقيقيّة وليست نكتة، لكن هذه الفتاوى عادةً نرفضها نحن ويتقبّلها بعضنا، لكن المشكلة في هذه الرّسائل الّتي تُعرض بطريقةٍ سلسة جميلة، آخر ما كتبه الدّكتور مصطفى محمود في الخاطرة السّابقة أدخل فيها عبارات مثل "القارئة المثقفة الجميلة وو.." حتّى نتغاضى نحن عن كلّ هذا الهراء الّذي سبقه وننشاركة مع إبتسامة جميلة !

أخيرًا أودّ أن أنهي كلامي بشيء أعتقده مهمًّا، عندي مشكلة جدّيّة مع كلّ جملة تبدأ بـ "المرأة تحبّ كذا، النّساء يعشقن كذا، طبيعة المرأة كذا، المرأة تريد كذا.." أنا أؤمن بأنّ هناك طبيعة ما للمرأة، أؤمن أنّ لها فطرة تختلف عن الرّجل، أؤمن بأنّنا نتشارك كإناث في أشياء كثيرة، لكنّني أؤمن أيضًا بأنّ لكلّ فتاةٍ وامرأةٍ عالمها وتعريفاتها ومصطلحاتها وفهمها الخاصّ للرّجولة والأنوثة، فلا تدجّوا بنا في صورةٍ وقالبٍ وتجعلونا نسخًا مُكرّرة.. رجاءً!
لماذا أكتب كلّ هذا؟ لأقول أنّ تكرار أسطوانة الإسلام أنصف المرأة لن تجدي نفعًا أمام كلّ هذه الممارسات وطريقة التّفكير تجاه المرأة، أعلم أنّه من المتعب أن نواجه أنفسنا أمام هذه الحقيقة، ونحاول فهم النّصوص بطريقةٍ أخرى بدل أن ننشرها ونشعر بالسّعادة من أجلها، وأعلم كم هو قاسِ أن نؤطَّر ضمن "الحقوقيّات السّاخطات" لكن.. لكلّ شيء ثمن...

هناك تعليق واحد:

  1. نحن بحاجة لعقلية جديدة تكون بعدية عن النمط التقليدي الذي انتهجه معظم رجال الدين .. انهم يرون الدين من زاوية مغلقة بداخلها الو1وع والحجاب والم1مه .. ويغفلون عما يحيط بالاسلام من تربصات وهدم في معظم قواعده الاساسية .. الهم كبير يامريم .. واكبر همنا انهم يرون المرأة غير مايراه الاسلام من تكريم لها ورفع لشأنها .. مؤسف لكن هذه الحقيقة

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )