12.11.15

" احنا البيت عنّا زي المتحف .. "

قالت لي صديقتي -وهي أمّ لطفلتين- بأنّها قد وضعت ألعاب ابنتها الصّغيرة وحاجيّاتها في زاويةٍ ما من البيت حتّى تلاحظ ابنتها وتتفاعل معها، ويا لخيبتها لقد كانت تلك الزّاوية مقابلة لغرفة الضّيوف "الصّالون" كما نسمّيه نحن (الغرفة المُقدّسة المُكدّسة بالتّحف والأشياء الّتي لا قيمة لها) وقد لاقت المسكينة سيلًا من الانتقادات والملاحظات، "ولَيْ هيك خربتِ دارك، خربتِ القعدة، ايش بتعملي انت!!.." وتسائلت هي مستنكرة أليس هذا بيتي أنا؟ ومكاني أنا؟ المكان الّذي فيه أرتاح وأخرّب ثمّ أصلّح، أنثر الفوضى ثمّ أرتّب؟!



ذكّرني هذا ببحث جامعيّ أجريته في أحد مساقات الأنثروبولوجيا، والّذي كان بعنوان "البيت والهويّة"، وجدت أنّ أكثر موضوع مثير للاهتمام يمكن البحث فيه هو موضوع "جهاز العروس في المجتمع العربيّ" لأنّه ببساطة يعبّر عن مدى البؤس الممزوج بالتّفاخر والتكبّر مع الكثير من الدّيون الماليّة الّتي نعانيها! في منطقتنا المباركة -المثلّث- "جهاز العروس" هو شيء مركزيّ وأساسيّ لدرجة لا يُمكن تصوّرها، التّحف الغبيّة -عفوًا من العرايس- والمقارنات البائسة بين نور بنت رمزيّة وبين سعاد بنت جارة حماتها لأخت رمزيّة، التّقليد الأعمى والمشتريات المغلّفة الّتي تصطفّ في الغرف، كلّ هذا جعلني أفكّر: كيف تعبّر تلك الظّواهر البائسة عن هويّتنا؟ كيف نرى بيوتنا؟ ما هو "البيت" بالنّسبة لنا؟ فأنا مثلًا لم أفكّر قطّ في معنى أن يزور الأقارب بيت العروس بعد أسبوع من زواجها ولم أفكّر قطّ فيما يعنيه ذلك، ربّما كنت أرى ذلك كمباركة لطيفة، لكن البحث جعلني أفكّر: كيف لا زلنا نمارس قلّة الأدب هذه من فتح للدّولاب وسؤال عن الأسعار والرّغبة في معرفة لمَ لم تشتر العروس التّحفة الفلانيّة؟ (أبوها بخيل، أمها هبلة ولا حماتها بتعملها مشاكل) شعرت وأنا أكتب عن تلك الظّاهرة بأنّها جلسة تقييم (حرفيًّا) لا مباركة ولا بطيخ مبسمر!
زرت بعض البيوت لعرائس تزوّجن حديثًا أو كنّ مقبلاتٍ على الزّواج، وأجريت مقابلاتٍ معهنّ لأفهم طبيعة الظّاهرة وشعورهنّ تجاهها، الشّيء العجيب أنّه بدا واضحًا جدًا بأنّ هناك تقسيم شديد لهذا البيت، فنصفه للضّيوف ونصفه الآخر لـ"سكّان البيت"، ولا يقتصر هذا على مكان الجلوس فقط، إنّما الطّاولة/التّحفة/الشّوكة والسّكين وأكواب الشّاي كلّها كانت مقسّمة، وطبعًا الأشياء الجميلة والفخمة تكون للضّيوف!
أعرف من تغلق غرف أبناءها بعد ترتيبها حتّى لا يُسبّبوا الفوضى، وسمعت عن أخرى تضع غطاءً ووردة فوق الغاز، بعد أن تطبخ وتنظّف (هاي إذا طبخت؟)، وجميعنا نعرف تلك المرأة الّتي تفوح منها رائحة أدوات التّنظيف دائمًا، وكأنّها محقّق في مسرح الجريمة تبحث عن جرثومة لتنقضّ عليها وتنقضّ على من تسبّب بوجودها!

تقسيم البيت (للضّيوف وآخر لأفراد العائلة) وقضاء جلّ الوقت بتنظيف البيت وترتيبه والمسح والجلي والكنس دون أن يكون هناك اعتبار لتلك المخلوقات اللّطيفة الّتي تعيش في هذا البيت، ودون أن يكون هناك اعتبار لمزاج طفل في الصفّ الثّالث يودّ حلّ وظيفته في غرفة الجلوس (هيك خاوة!)، ودون أن نطلق العنان لطفلةٍ في الرّابعة لتضع حاجيّاتها وتلعب كيفما شاءت، دون التّشديد على المساحات والحدود والقيود وكأنّنا نتحدّث عن دولتين في حرب، هذا كلّه يعبّر عنّا وعن نفسيّتنا وعقليّتنا وطريقة نظرنا للبيت والأسرة والعائلة..


البيت مكان للرّاحة واللّعب والنّوم والتّرتيب والفوضى والتّخطيط والعبادة والإزعاج وكلّ شيء.. يمكن أن نربّي أبناءنا على النّظام والتّرتيب، وضروريّ كذلك أن نضع الحدود في هذا البيت، حدود ساعات النّوم وعدد ساعات استخدام الهواتف والتّلفاز وأماكن الجلوس واحترام الحرمات وتقسيم المهام في ترتيب البيت وتنظيفه، كلّ هذا مهمّ وضروري، لكن لا بأس أحيانًا أن نخرق بعض القوانين.. ونستمتع بهذا الشّيء أيضًا!
لا يمكنني أن أنهي حديثي هذا دون أن أذكر جملة بائسة قالتها لي إحدى من أجريت معهنّ مقابلة: "للأسف.. احنا البيت عنّا زي المتحف"..

زي المتحف .. يا لبؤسنا ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )