2.7.15

نحنُ لا نرى الصّورة من فوق..

ربّما ساءكِ هذا الوضعُ يا صديقة، كلّ الأحداث تجري بعكسِ ما تُريدين، كُلّ مرّة تتوسّلين إليه وقد رأيتِ في قلبكِ انكسارًا وذُلّا وضَعفًا، لكنّكِ لا تجدين استجابةً ولا حتّى إشارة ربّانيّة تُنجيكِ من عذابٍ في القلبِ أليم!
حدّثتني عن ليالٍ بكيتِ فيها وتوسّلت، ومع هذا لم تجدي إلّا بعد كلّ مصيبةٍ مصيبةً أكبر، وبعد كلّ ابتلاءٍ ابتلاءً أعظم!
تسائلتِ وسط هذا كلّه، والدّموع قد استحت أن تتركَ مكان عينيكِ: "أوليسَ الله قال ادعوني أستجب لكم؟ فأين الاستجابة إذًا؟" لا .. لم تقولي هكذا، بل قلتِ وكأنّك تُحدّثينه هو جلّ في علاه: "أولست قلتَ ادعوني أستجب لكم؟ ونحنُ ندعو فلم لا تُجيب؟" ..
تعجّبتِ أيضًا من حالكِ وحالِ من ابتعدوا عن طريق ربّهم، أنتِ الّتي تُحبّينه وتودّين رضاهُ لا يستجيبُ لكِ، بل يزيدُ الأمرَ سوءً على سوءه، وهُم.. أولئك الّذين لم يعرفوا الله، ولم يتقرّبوا إليهِ مثقالَ ذرةٍ كانت حياتهم بالضّبط كما يريدون.. لمَ يحدث هذا إذًا؟


سأقولُ لكِ شيئًا.. لقد مرّت عليّ لحظاتٌ يا صديقتي وثقتُ فيها بحدسي وعقلي واطمئنان قلبي، مرّت عليّ فترةٌ وثقتُ بما أراه وما أفكّر فيه وأظنّه، أخطّط لحياتي، وأضع الأولويات، وأُقرّر.. بثقةٍ عمياء شديدة! واثر تلك الثّقة، كنتُ أظنّ بأنّي أعرف ما هو خيرٌ لي، وما هو شرٌ لي.. نعم، لا أُنكر.. لقد صدقت تلك الحواسُ أحيانًا.. لكنّ وجودي في موقفٍ أرى فيه احتماليّة صواب ذلك الحدس، جعلني أشكُّ فيه أكثر، وأشكّ بقُدرتي على فهم الصّورة بشكل أكبر! ..
نحنُ بشر، والله تعالى أوجدَ لنا عقلًا نُفكّر فيه وقلبًا نطمئنّ به، ولا أُريد مني ولا منكِ أن نُشكّك بتلك القُدرة، القدرة الّتي تجعلنا نصيب ونخطئ، وعلى الجهتين نُثاب لو اجتهدنا في البحث عن الصّواب.. لا أريدُ منكِ أن تتكاسلي وتتركي القرار وتطمئنّي لحدثِ ربّانيّ يُغيّر لكِ حياتك! كلّا.. بل ابحثي عن الخير لكِ دائمًا، ولا تخشي أن تختاري وتُقرّري! لكنّني أُريد منكِ أن تَفهمي أنّ تلك الحواسّ تخطئ أحيانًا، وهي في الغالب لا ترى الصّورة بوضوح، إنّها ترى جزيئيّات صغيرة من لوحةٍ عملاقة كبيرةٍ قد تلوّنت بالأبيض والأسود.. بالمناسبة قد يبدو الأسود مُزعجًا أحيانًا، لكن.. تعلمين.. اللوّحة البيضاء قد تبدو تافهة، أمّا تلك الممزوجة بالأسود والأبيض فقد تكون مُبهرة ومُلهمة أيضًا..
نحنُ لا نرى الصّورة من فوق، عُقولنا ما وسع لها إلّا أن ترى سماءً وأرضًا وصورًا لمجرّة درب التّبانة على الانترنت، وقُلوبنا مسجونةٌ في بيتٍ صغيرٍ مهجور، وإن كانت ذو حظٍ عظيم فهي على جناحِ طيرٍ في السّماء تطير! أين هو "الفوق" إذًا إن لم يكن في السّماء؟ ولا عند أقمارٍ صناعيّة في الفضاء؟
"الفوق" هو ما لا يَسعهُ فهم عقلي ولا عقلك، في الغيب، في العوالم الأخرى، "الفوق" هو ليس مكانيًا، هو في قبرٍ تحوّل إلى روضةٍ من رياض الجنّة أو إلى حُفرةٍ من حفر النّار، "الفوق" عند الصّراط، تحت عرشِ الرّحمن، في كتابٍ سُجّلت فيه هذه الدّمعات وتلك الصّلوات، "الفوق" في قلوب أضمرت لنا سوءً وتخفّت بابتسامةٍ صفراء أحببناها! 
معادلاتنا يا صديقتي ليست كما المُعادلة الرّبّانيّة.. أن يستجيب الله لكِ دعاءك لا يعني بالضّرورة أن يكون الّذي تريدنه تحديدًا، إنّه كريــم! قد يعطيكِ أكثر ممّا تريدين، وأعظمَ ممّا ترجين، لكنّكِ لا ترين الصّورة من فوق! تلكَ الأنّاتُ لا تعلمين بأنّها رُبّما أبعدتك عن النّار سبعين خريفًا، تلكَ الآهات لا تعلمين كم ستُساعدكِ لتثبتي على الصّراط وتكوني أسرع.. أسرع من أولئك الّذين تغبطينهم على نعمهم الدّنيويّة! أمّا عددُ الدّمعات فلا تدري كم يومًا أو شهرًا (أو حتّى ساعةً!) قرّبت من دخولكِ للجنّة قبل غيرك، حتّى أولئك الّذين تساووا معكِ بالحسنات والسّيئات، لكنّهم لم يُختبروا مثلك.. أنتِ لا ترين الصّورة من فوق يا صديقتي!
تنهدّتِ تنهيدة طويلة وقلتِ: "ولكن لا يُكلّف الله نفسًا إلّا وسعها" ..
ايييه.. يا لهنائك.. قد عرف الله وسعكِ وقد كلّفكِ بهذا، وإنّي أرى أنّ مُجرّد رغبتكِ في فهم هذا كُلّه دليلٌ أنّ وسعكِ عليه قادر، وأنّ تساؤلاتك هذه كُلّها دليلٌ أنّ الله تعالى يُريد ان يُبثت لكِ بأنّه على ما كلّفكِ به قادرة، أو أنّه يُريد أن يجعلك قادرةً عليه من خلال مواجهته!
بل.. الأهمّ من هذا كُلّه.. أنّ الله تعالى يغار.. يغارُ حينَ نلتهي بطلباتنا عنه هو، يغارُ حينَ لا يجدُ في قلوبنا سوى حاجاتنا ومَطالبنا، ولذلك قد يؤجّل الاستجابة الفوريّة أحيانًا.. لأنّه يُريد أن يُربّينا، ويُهذّبنا ويُعلّمنا.. يُريد أن يخرجنا من ذلك الاختبار المُضني المُتعب المُرهق.. بعد صلواتٍ.. ودعواتٍ.. ودمعاتٍ وانكساراتٍ بقُلوب أقوى، وأنقى، وأطهر.. يُريد أن يُخرجنا متوكّلين.. راضين.. مُقبلينَ إليه في الرخاء والشدّة.. مع الاستجابة أو بدونها.. يُريدها قلوبًا خالصةً له سُبحانه.. الله تعالى أحيانًا يمنُّ علينا فيُرينا جزءً من هذه الصّورة حتّى نطمئنّ، تمرّ الأيّام فنُرفع -حتّى قبل موتنا- ونرى شيئًا جميلًا مُتناسقًا في الصّورة.. ونبتسم.
نحنُ لا نرى الصّورة من فوق، لكنّ الله يفعل.

هناك تعليقان (2):

  1. يااالله علي الجمال!
    لا حُرمنا قلمكِ وقلبكِ ياجميلة <3

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )