27.5.15

إلى الله.. ولو بقلبٍ أعرج!






لا أذكرُ أنّي رأيتُ قَلبي في حالةٍ سَليمة، كان دائمًا مُصابًا بمرضٍ أو يشكو من تعبٍ .. وكان المسكينُ يتلقّى -بين الفينة والأخرى- دروسًا قاسيةً من إخوته الجوارح.. ومع أنّهم كانوا يُشاركونه الجريمة كلّ مرة، إلّا أنّهم كانوا يُلقون عليهِ اللّوم دائمًا، ويقذفونه بأشدّ الشّتائم..

ذاتَ مرةٍ، عاد قلبي إليّ من بعدِ سفرٍ طويل، قال يومها بأنّها رحلةٌ طارئة مُستعجلة لا تستدعي التأجيل، سمحتُ له بالسّفر، مع يَقيني التّام بنتائجها، عاد يومها مُكبّلًا بالأغلال والقُيود، كانَ بائسًا وحزينًا، عندما رآني وضع يديه على عينيه وبكى.. حاولتُ إزالة تلك القُيود، لقد كانت إزالتها صعبة، كان يتوجّع.. يتألم.. يبكي.. ضقتُ به ذرعًا وقلت بغضب: "ماذا ارتكبت هذا المرّة يا أبله؟!" نظر إليّ بخوفٍ وقال مُتلعثمًا: "أشركت.. لقد أشركت مع الله في نيّتي.." شهقتُ شهقةً سمعتها جوارحي وصحت به: "وماذا بعد أن أشركت؟ أأحبّك النّاس؟ أأصبحتَ عندهم صالحًا عابدًا زاهدًا يُشار إليه بالبنان!!.. وماذا بعد أن أشركت؟ لقد كبّلتك تلك القيود، فما عدتَ تسعدُ بسفرٍ، ولا تهنأُ ببحث، ولا تطربُ بجمال، أصبحتَ كالمسكين تترقّب النّاسَ ومديحهم لك، وتصطنعُ الطمأنينة والسّكون واليَقين والأغلالُ تُمزّقكَ وتُتعبك وتُرهقك! .." سكتَ قَلبي وما عادَ يَقوى على الإجابة، ثمّ أشارَ لي بعينه أن أُساعده في إزاله تلك القُيود.. في تلك الأثناء كانت قد اجتمعت الجوارح وطوّقتنا، وكلّ ينظرُ إلى القلبِ نظرة ازدراء وتحقير، طلبتُ منهم أن يُساعدوا رَفيقهم بدل تلك النّظرات الّتي لن تفيد! تمتمت عيني: "رفيقكم؟ ذاك قائدنا إن كنتِ لا تدرين، ذاك الّذي يُحدّد صحةَ كلّ عملٍ نَقومُ به، ذاكَ الّذي يَقودنا لجنةٍ أو نار.. وتقولين ببساطة: رفيقكم".. أشرتُ إليها أن تَصمت الآن، وتُساعدني في إزالة تلك الأغلال بدل هذه الثّرثرة.. شاركت جميعُ الجوارح المُساعدة، لكنّها ومع مُساعدتها تلك لم تتوانى عن إطلاق نظرات الازدراء وتمتمةِ بعض الكلمات تؤنّب فيها ذلك المسكين! .. "مسكين"؟ لا أدري.. إنّه مُذنب ومَريض وقاسٍ أحيانًا.. لكنّه بائس، وتعيسٌ أيضًا...

أحيانًا.. كانَ قلبي على علاقةٍ طيّبةٍ مع جوارحي، لكنّه هكذا.. وبُدون سابق إنذار.. يَخون.. يكذب.. يبتعدُ عنهم.. يقولُ شيئًا ويفعل آخر.. كان يدّعي بأنّه قد تأثّر من تلاوة لساني لآياتٍ مُعيّنة، كان يترنّم، يطرب، ويبكي أحيانًا.. ثم ما يلبثُ إلّا أن يتركهم ويَرحل.. يرحل لعالمٍ آخر.. بعيدٍ عن الإيمان وعن القرآن وعن الله... بعد أيّام.. يَعود من رحلته وقد علت عليه علاماتُ المرضِ والتّعب والبكاء...

آخر مرّة أتى إليّ يعرج! .. هرعتُ إليه لأرى كدماتٍ على وجهه، ودماء تسيلُ من رجله اليُمنى الّتي كانت تعرجُ أيضًا! ..
 
-"وماذا الآن؟" قلتُ له بيأس واضح..
-"لا وقت لديّ لأشرح، سأسافر بعد قليل.. ساعديني لتنظيفِ وتطهير وجهي وإزالة الدّماء.."
-" تُسافر؟ إنّك تعرجُ يا مِسكين"
ابتسمَ لي ابتسامة طاهرةً لا تُشبه الحالة الّتي هو عليها، ثم قال: "هلّا ساعدتني؟" طلبتُ مساعدة الجوارح، وكالعادة.. تمتمات ولعنات ونظرات ازدراء.. لكنّه -على غير العادة- لم يهتمّ.. طلب منّي إحضار ضمادةٍ ليربط فيها رجله العرجاء.. أمسك الضمادة وشدّها على رجله وتمتم بهدوء: "لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين" .. نظر إليّ.. ودّعني وابتسم، سألته: إلى أين هذه المرّة؟ فأجاب: "إنّي ذاهبٌ إلى ربّي سيهدين..."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )