13.8.13

فلسطينية في جامعة إسرائيلية !

أنت لو نظرت إليها لقلت بأنها عربية فالملامح لا تكذب، ولو نظرت إلى لباسها لقلت بأنها مسلمة فالحشمة أيضًا لا تكذب! لكن شيئًا واحدًا يُعيبها.. إنّها تحمل هوية زرقاء.. "إسرائيلية".. هذه الحقيقة فقط قد تجعلك تقلب وجهك غضبًا وحُزنًا وإندهاشًا! لا تستغرب.. فهي ليست حالة شاذة.. فخمس سكان "إسرائيل" هم عرب...!

فتاة مسلمة عربية تتعلم في جامعة إسرائيلية، كل يوم تستيقظ من نومها مسرعة خشية أن تتأخر عن الباص الذي يوصلها إلى الجامعة، وفي طريقها تتسلى بسماع القرآن أو أناشيد على شاكلة: "هو الحق" أو "لبيك إسلام البطولة"، أو أناشيد وطنيّة أيضًا.. تذكرُ تمامًا كيف كانت تستمع كل يوم أثناء الحرب على غزة أنشودة "لا تبالي يا غزة.. وتحلي بالعزة وتحدي كل حصار..." كانت تتفاعل مع الأنشودة من أول الطريق إلى آخره.. حتّى تستيقظ من حلمها على صورة العلم الإسرائيلي يُرفرف أمام بوابة الجامعة... لم يعد هذا الأمر غريبًا فهي معتادة على رؤية ذلك العلم! .. عند دخولها يوقفها موزع الصحف، يعرض عليها أن تأخذ صحيفة إسرائيلية، في الغالب ترفض! فبالرغم من أنها تستمتع جدًا بقراءة الصحف، إلا أنها لا تحبّ أن تقرأ صحيفة بغير لغتها.. هي ببساطة لا تستمتع! ..


تدخل مكتبة الجامعة مسرعة، بقي بضع ساعات لتسليم الوظيفة، وهي في العادة تتأخر!.. يتبقى دائمًا بعض اللمسات الأخيرة لتنهي وظيفتها.. تقرأها على عجل، وهي تعدّل أخطاء نحوية من هنا وإملائية من هناك، تضغط بقوة على الأحرف العبرية في لوحة المفاتيح، لم يتبقَ الكثير من الوقت.. تخرج من المكتبة مسرعة لتسليم الوظيفة، يوقفها الحارس ليتأكد من عدم وجود كتب معها، إنها لا تطيق هذا الحارس بالذات.. إنه عربي ويتحدث معها بالعبرية، ويقلب الراء غينًا كتأكيد على اشكنازيّته!! .. اللعنة! .. لكن هذا غير مهم الآن، المهم ولحسن الحظ بأنها قد سلمت وظيفتها في الوقت المناسب..

الآن تحديدًا جاء وقت المحاضرة، رغم أن جامعتها بالذات ثلث الطلاب فيها من العرب، إلا أنّ تخصصها العجيب الأغلبية الساحقة فيه من اليهود! .. تدخل القاعة وهي تبحث عن صديقاتها.. الوضع دائمًا "متوتر"، هي ليست مرتاحة بالمعنى الحقيقي، تخصصها الثاني غالبيته عرب، وهي تجد ذلك الفرق العجيب بين محاضرة في تخصصها الأولى ومحاضرة أخرى في تخصصها الثاني!! .. في حرب غزة أيضًا، في إحدى محاضرات.. تحدث المحاضر عن "التهديد" الذي يستخدمه الفلسطينيون في غزة عن طريق قنواتهم التلفزيونية أثناء الحرب.. كلّ الأنظار كانت تحوم حولها وصديقاتها!.. حسنًا، هناك عرب آخرون، لكن ما يميزها وصديقاتها بأنهن مسلمات.. وبأنهن محجبات، كان الجميع يريد أن يعرف رأيهن وردة فعلهن، وربما أراد البعض إستفزازهن بنظراته... إنتهت المحاضرة، يومها بالذات أقيمت المظاهرات في الجامعة، والتي حمل فيها الطلاب اليهود الأعلام الإسرائيلية، كتعبير عن دعمهم لما يحصل في غزة، خرج بعض الطلاب العرب أمامهم.. بالتأكيد ليس معهم تصريح للتظاهر، وبالتأكيد الطلاب اليهود فقط لهم الحق! .. رغم أن غالبية الطلاب العرب لم يستفزوا الطلاب اليهود بالمعنى الحرفي، إلا أنه مجرد كونك عربيًا تمرّ من أمامهم فهذا يعني أن يقولوا لك: " إذهب إلى غزة!! ".. تخيّل الآن موقفها وهي تدخل قاعة، يجلس فيها طلاب يرتدون الجارزات التي وُزّعت في تلك المظاهرة.. أن تجلس "بهدوء"، وأمامك بالضبط شخص يعبر –بفخر- عن دعمه لقتل إخوانك في غزة... اللعنة!

المسكينة! في مطعم الجامعة، عادة ما تدخل في نقاشات عقيمة حول مقاطعة الماكدونالد والكوكاكولا.. في النهاية هي حتمًا تشتري منتوج إسرائيلي من محل إسرائيلي، لكنها ربما تحاول أن تقنع نفسها بأنها قدمت شيئًا لشعبها! .. هي مؤمنة تمامًا بأنه يجب على العرب عمومًا أن يقاطعوا المنتجات الإسرائيلية والأمريكية كافة! .. لكنها أيضًا لن تستطيع تطبيق ذلك على نفسها، فتحاول أن تقسم المنتوجات الإسرائيلية إلى أنواع.. فتشري مثلًا من المحل الأقل دعمًا للجيش.. هو منتج إسرائيلي نعم، وهو يدعم الجيش طبعًا، لكنها تحاول أن تقنع نفسها أنها قدمت شيئًا، أو ربما هي مقتنعة تمامًا بهذا.. مهما كان ما قدمته "قليلًا" ماديًا لكنه يعني لها الكثير... على الأقل معنويًا !  


 


المسكينة، تحاول جاهدة أن تحافظ على هويتها، على إسلاميتها وعروبتها وفلسطينيتها، لكنّ البعض لا يعرف من تكون أصلًا، هو لا يعرف بوجودها! .. وإن عرف فعلى الأغلب يتهمها بعرضها وشرفها، هي تنتمي –حسب تعريف البعض- لفئة سيئة  يطلقون عليها "بنات عرب إسرائيل"... تلك الفئة التي يتهمونها عادة بالعري ولبس المايوهات على شاطئ البحر... وهي –المسكينة- صاحبة الملامح العربية والحجاب الإسلامي الجميل لا شيء يغفر لها... فهي تحمل "هوية" إسرائيلية. 

هناك تعليقان (2):

  1. تدوينة رائعة و معبرة جدا

    ردحذف
  2. بسم الله ، ماشاء الله ..!
    جميلة هذه التّدوينة ورائعة منك أخيّة.
    بورك فيك.

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )