12.10.12

سنة أولى جامعة !

يقترب أحمد من حاجز التفتيش، يتأمل الحارس ملامحه السمراء، يفتش حقيبته، يحدّق في بطاقته، وأخيرًا يسمح له بالدخول.. إنه ليس حاجز سجن الجلبوع بل هو مدخل جامعة بن غوريون.. أحمد الذي أنهى مرحلته الثانوية، وعمل سنتين من أجل تأمين بعض المال لتعليمه، وخلال هذا كان يتحضر لإمتحان البسيخومتري، إستطاع أخيرًا وبعد أن تغلب على الكثير من الحواجز أن يدخل تخصصه الذي يريده في الجامعة التي يريدها، حكاية أحمد مع الحواجز لم تنته، بل كانت بدايته مع الجامعة  هي "حاجز تفتيش"، كذلك فإن هناك حواجزًا أخرى تنتظره.. حاجز تجربة جديدة، حاجز حضارة وثقافة جديدة، حاجز نظام تعليم جديد، حاجز لغة جديدة...أحمد ليس حالة إستثنائية إنه حكاية كل طالب عربي في الجامعة!  في الواقع قد يعاني أحمد من بعض الصعوبات أثناء تعلمه في الجامعة، لكن سنته الأولى ستأخذ حصة الأسد في إجهاده، ذلك أنها ستكون التجربة الأولى بالنسبة له.. لذلك قابلنا عدة طلاب يشبهون أحمد كثيرًا، ليشاركونا توقعاتهم أو تجاربهم في السنة الأولى من الجامعة. 

من المدرسة إلى الجامعة !  الطالبة ثناء سواعد التي تعتزم دخول كلية الطب في جامعة تل أبيب هذه السنة تقول: "أتوقع بأن تستنزف السنة الأولى مني الكثير من الطاقات على الصعيدين الجسدي والنفسي" أما الطالبة إسراء زعبي التي تنوي أن تتخصص لغة عربية وتدريس في جامعة حيفا فيكمن تخوفها من التجربة التي ستوجهها لأول مرة لأنها كما تقول يستصعب عليها الإنتقال من مرحلة إلى أخرى، وتقول: "أحتاج وقتًا لأتأقلم مع ذلك، لذا الإنتقال من الثانوية حالًا إلى الجامعة يربكني"، يتفق الطالب شادي إغبارية الذي أنهى سنته الأولى في الحسابات في جامعة تل أبيب مع هذا الرأي، فيقول: "التجربة في البداية كانت مخيفة، لأنها تجربة جديدة، وطرق التعليم والمعاملة تختلف كليًا عن المدارس."يشاركنا طالب (لا يريد ذكر إسمه) الذي أنهى ثلاث سنوات في معهد التخنيون في علوم الحاسوب تجربته الأولى في المعهد: "الدخول إلى معهد كالتخنيون مباشرة بعد إنهاء التعليم الثانوي كان رهيبًا في السنة الأولى إذ كنت دائمًا أنظر إلى المحاضرات على أنّ إضاعة أيّ منها سيؤثر سلبًا كثيرًا على تعليمي، وأنّه سيصعب عليّ فهمها لوحدي، وكانت هذه النظرة نابعة من كلّ ما قد سمعت حول التخنيون! ولكن فيما بعد فهمت أنّ الأمر ليس كذلك، وفي التخنيون، التغيّب عن محاضرة ما كتغيّب عن يوم من المدرسة ليس له ذاك التأثير، وكذلك فإن المحاضرات ليس رهيبة"، ويتابع:"في السنة الأولى لم أكن قد تفهمت بعد أنّ في التخنيون كلّ طالب مستقل عن الآخرين بكلّ شيء ولا يمكن وجود جوّ المجموعات الذي عهدناه في المدرسة .. مع أنّه في السنة الأولى كنت أشعر بأننا جميعًا مجموعة واحدة، وذلك بحكم أننا نتعلّم ذات المساقات ولا زلنا بنفس المركب، ولكن إبتداء من السنة الثانية تغيّر الوضع كثيرًا، فلكلّ طالب يوجد تخطيط معين لفصوله التعليميّة مستقل عن الآخر."، ويضيف:" في السنة الأولى لم أفهم بالضبط الكثير عن موضوع تخصصي، كنت أرغب فيه من أيام المدرسة لكن الموضوع وكيفية تدريسه مختلفة، ولا يمت لما رأيته في المدرسة بصلة، وهذا ما تسبب لي ببعض الإحباط ولكنني بدأت أتأقلم مع الموضوع في السنة الثانية" ويتابع قائلًا: "في السنة الأولى لم أكن أستغل المساعدات التي يقدّمها المحاضرون في ساعات الاستقبال الخاصّة بهم وعبر البريد الألكتروني ، وذلك يعود لأنّي لم أعتد ذلك في المدرسة."

هل كان قراري صائبًا؟
بحسب معطيات نشرتها جهات مختصة في الشؤون الأكاديمية في الداخل الفلسطيني، فإن ثلث الطلاب العرب يغيرون تخصصهم الجامعي، غالبيتهم بعد السنة الأولى. الطالب محمد عبد الهادي الذي أنهى تخصصه في علم الحاسوب في جامعة بئر السبع لا يزال غير مقتنع بهذا التخصص، رغم أنه إختاره بمحض إرادته. ويعتبر "عدم النضوج الفكري والإجتماعي" مشكلة واجهته أثناء الجامعة، فكما يقول: " لم أكن أستطع أن أتخذ قرارات حاسمة ومصيرية في البيت أو في سكن الجامعة، ورضخت لبعض الضغوطات، وهذا ما أثر على سلامة قراراتي"،  تعتقد الطالبة فاطمة غدير التي أنهت ثلاث سنوات في جامعة حيفا في تخصص إستشارة تربوية ولغة تركية بأن السنة الأولى عند الطلاب العرب هي سنة إستكشاف، فكما تقول: " هناك حيرة ترافق الطلاب خلال سنتهم الأولى فيما يتعلق بالتخصص الذي اختاروه؛ وبالتالي فعدد كبير من الطلاب العرب يأتي إلى الجامعة في سنته الأولى وبنيّته الاستكشاف ومعرفة ما يريد أن يدرسه" وتضيف:" من الأفضل للطالب أن يفكر جيدًا بالتخصص الذي ينوي دراسته ويتحضر له، وذلك من خلال زيارات عديدة للجامعة أو الكلية وحضور دروس أو محاضرات في التخصص الذي ينوي دراسته، كذلك فهناك برنامج جيد في الجامعات أو الكليات بشكل عام إسمه "برنامج تحضير" لمدة أسبوع، من الجيد أن يطلع عليه الطالب، ويشارك فيه لو إستطاع" وتضيف: " عن تجربة شخصية، أعتقد أن البدء بالدراسة بعد الثانوية بشكل مباشر أمر غير محبذ، حتى لو توفرت شروط القبول لدى الطالب، وذلك لعدة أسباب يطول الحديث عنها، وبإختصار أقترح أن يخوض الطالب مجالات مختلفة في الحياة، من خلال العمل، الكورسات البسيطة، ممارسة هواياته وإهتماماته، التجوال، الاختلاط وتجربة بيئات مختلفة عن بيئة الطالب التي يعيش فيها...الخ، حتى يستكشف ذاته ويفهم نفسه أكثر وبالتالي فإختياره لتخصصه سيكون ناضجًا أكثر وستكون دراسته بعد أن يختار تخصصه ناجعة ومفيدة"

حضارة جديدة
تعتبر الطالبة فاطمة غدير بأن الطلاب العرب يواجهون صعوبة في التأقلم مع البيئة الجديدة وتقول: " تتميز الجامعات بشكل عام بتنوع الثقافات، اللغات، اللهجات، الدينات، والتوجهات السياسية والفكرية وغيرها، والطالب العربي القادم بشكل عام من بيئة محافظة يتفاجئ من كمية وعمق الإختلافات بين الطلاب" وتضيف: "الإعتياد على هذه البيئة يكون تدريجيًا ويطول أحيانًا وهذا ما يؤثر على نفسية الطالب وعلى دراسته" وتتابع: "هناك أمور لا يمكن التغلب عليها مرة واحدة، التغيير هنا بالذات سيكون تدريجيًا، لذلك ففي البداية على الطالب أن يكون صبورًا، أيضا هناك نقطة هامة جدًا، وهي أن يكون الطالب "متفتحًا" ويفهم بأن البيئة التي قدم منها تختلف عما سيراه في الجامعة، ليس عليه أن يوافق الآخر بالضرورة، ولكن أن يقبل الاختلاف الموجود ويحترمه.
سنة أولى لغة
تتوقع الطالبة إسراء زعبي أن لا تكون "تجربتها الأولى" مع  اللغة العبرية هينة وسهلة فكما تقول: "سأواجه لأول مرة محادثات عبرية، ومحاضرات باللغة العبرية، ومع أنني قوية بهذه اللغة، إلا أنها كبداية أخالها ليست بهينة" من جهتها فقد عبرت الطالبة ثناء سواعد عن خوفها من نسيان لغتها الأم فتصبح –حسب تعبيرها- كالغراب الذي حاول تقليد الطاووس في خيلاءه فخاب، فلا هو عرف أن يقلد الطاووس ولا عرف أن يعود إلى مشيته!
تلخص الطالبة فاطمة غدير المشاكل التي تظهر للطلاب العرب في اللغة العبرية قائلة: "الصعوبة في  اللغة العبرية تظهر على وجهين: الوجه الأول هو العبرية العلمية: وهي المادة التي تُدرس للطالب بغض النظر عن تخصصه، حيث يستصعب الطالب أحيانًا فهم المادة العلمية خصوصًا المقالات والكتب التي يتوجب عليه قراءتها، أما الوجه الآخر: تواصل وحضور، رغم صعوبة اللغة العبرية العلمية المستخدمة في الجامعات، إلا أن الطلاب العرب بشكل عام يفهمون ما يُقال لهم، ولكن يستصعبون التعبير وبالتالي فمشاركتهم خلال المحاضرات قليلة"، أما الحل بنظرها فهو "الاعتياد على اللغة العبرية قبل بدء التعليم من خلال الإستماع والقراءة."
مشاكل أخرى
تشاركنا الطالبة ثناء سواعد مخاوفها الخاصة فتقول: " سأكون لأول مرة بعيدة عن عائلتي وهذا ما يسبب لي خوفًا وتوترًا" وتضيف: "كما أنني أخاف أن تخيب آمال أهلي وتوقعاتهم مني، وكذلك أن أخيب أملي بنفسي".
أما الطالب محمد عبد الهادي فقد واجهته مشكلة الإختلاط فكما يقول: " لقد كنت والحمد لله ملتزمًا دينيًا وأخلاقيًا، لكنني لم أستطع أن أركز بشكل كامل في دراستي بسبب الإختلاط وما يسببه من تشويش"، ويضيف: "كانت لدي مشكلة مع الطعام، فأنا لا أجيد الطهي، ولا أقوى ماديًا على الأكل في مطعم الجامعة كل يوم." 
واجهت الطالبة فاطمة غدير صعوبة في التنقل اليومي من الجامعة إلى البيت فتقول: "السفر اليومي يستنفد الكثير من الطاقة والوقت، التي من الممكن أن تصرف على الدراسة أو أشياء أخرى، وأعتقد بأنه لو أتيح للطالب إمكانية السكن الجامعي فهذا أفضل." وتضيف: "هناك أيضًا المشاكل المادية التي تواجه الطلاب العرب، يمكن التغلب عليها عن طريق التسجيل للمنح والمشاركة بالأعمال التطوعية التي يحصل الطالب مقابلها على مبالغ جيدة
لمن أتوجه؟
عند سؤالنا الطالبة إسراء زعبي عن الجهة التي ستتوجه إليها حال واجتها مشكلة في الجامعة قالت: "إن واجهتني مشكلة سأعود إلى من هو أهل لحلها، بحسب إطار المشكلة، ولكن على الأغلب، سأتوجه إلى صديقاتي اللاتي عندهن المعرفة الكافية عن الجامعة وعن تخصصي بالذات" وتضيف قائلة بأنها إلى الآن لا تعرف طالبًا يتعلم التدريس مع اللغة العربية، ليكون لها مرجعًا إن إستصعبت في شيء، وهذا هو مكمن تخوفها.
أما الطالبة ثناء سواعد فستتوجه إلى والديها وصديقاتها ومرشداتها الطبيبات، وتضيف: "لا أنسى جمعية إقرا فقد كان لها فضل كبير علي في التوجيه الدراسي والبسيخومتري ومور سابقًا وكتلة إقرا في الجامعة مستقبلًا"
وبالنسبة للطالب شادي إغبارية فقد كان يتوجه في سنته الأولى في الجامعة إلى عميد الطلبة للطلاب العرب، ويقول: "هذا المركز يحافظ على إتصال دائم مع جميع طلاب السنة الأولى، ويساهم في حل مشاكل طلاب سنة أولى ومساعدتهم ومساندتهم على تخطي الصعاب".



هناك 5 تعليقات:

  1. الله يحميك يا مريم انتي وايات اغبارية والله انو المدونات الي بتعملوهن جدا رائعات لما بقعد اتصفح فيهن نفسيا برتاح لاني بحس اني انا ما انقطعت عن عرب 48 والله بشكركم من قلبي وبشكر ربي الي خلق مريم وايات وبارك الله في جهودكم الطيبة وبتمنى تيجوا تزورونا في الخليل

    ردحذف
  2. بالتوفيق لكل طلابنا وطلابتنا في الجامعات والمعاهد العليا في البلاد

    ردحذف
  3. بالتوفيق لكل طلابنا وطلابتنا في الجامعات والمعاهد العليا في البلاد

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )