30.10.11

بدّيش شيكولاطة .. بدّي شيكل!


في المسجد الأقصى، وبالتّحديد من أمام الشّجرة الّتي يُعلّق عليها لافتة "التّسوّل ممنوع" تجلس إمراة منقّبة، وغالبًا ترافقها طفلة أو أطفال "ذوي شعر منكوش"، وفي اللّحظة الّتي تقترب أنت منها، تنهال عليك بالأدعية لك ولأهلك وأقاربك وأبنائك، تحاول أن تهرب من هذا الموقف المحرج بسرعة فتسرع في خطاك قدر إستطاعتك!! ...



إنّه أكثر الموقف صعوبة.. عندما لا تعرف هل الّذي أمامك يستحقّ النّقود؟ أم أنّه من الّذين قد إعتبروا "التّسوّل" مهنة يعتاشون منها، بل وإنّهم يعلّمون أبنائهم هذه المهنة.. تمامًا كما رأيت إحداهنّ تصيح في وجه إبنتها الصّغيرة لأنّها لم تُحسن "التّوسّل الصّحيح"، ولم تحرّك في قلب "زبونتها" أيّ شيء !!

مرّة عندما كنتُ في المسجد الأقصى، إقتربت منّا طفلة ورفعت سبابتها (يعني: بدي شيكل!) أعطتها أمّي حبة خوخ كانت بيدها، لكنّها رفضتها! قلت في نفسي ربّما لا تحبّ الخوخ! أعطيتها حبّة شيكولاطة.. لكنّها رفضتها أيضًا!! فما كان لنا إلّا أن نقول لها: "الله ييسرلك.." لكن لحظة .. أليس من سمة الجائع الفقير المسكين أنّه يقبل أخذ شيء يسدّ به رمقه!! قرأت مرّة عن إمراة سعوديّة فقيرة تتمنّى أكل لحم الحمار !! ... إذًا أليس الأجدر بنا أن نتبرّع لهؤلاء بدلًا من أولئك الّذين يرفضون ما نعطيهم بغية جمع النقود لفعل "أمر ما" لا يعلمه إلّا الله تعالى ...

هذه الظّاهرة ليست موجودة في المسجد الأقصى فقط، بل في مدينة أمّ الفحم داخل الخطّ الأخضر، في مدخل المدينة  يجتمع الأطفال يأخذون على مضض حبّة الشيكولاطة ويفرحون بالـ"شيكل" كثيرًا !! هناك لا يعملون على أساس أنّهم "متسوّلون" بل على أساس أنّهم يعملون في مهنة مسح وتنظيف زجاج السّيّارات، وبالطّبع بأقمشة أقل ما يُقال عنها بأنّها قذرة !! وعندما أتحدّث أنا عن أطفال متسوّلين بهذه القسوة .. فإنّي أقصد أولئك الّذين لا يملكون ذرّة رحمة في قلوبهم ... المسؤولون أوّلًا وأخيرًا عن وجودهم، أهلهم !! ليست مرّة أو مرّتين تلك الّتي رأيت فيهم هؤلاء الأطفال مجتمعين ومعهم شاب ... يتحدّثون -على ما أعتقد- في شؤون هذا العمل القذر: التّسوّل.. يعطونه نقودهم ويعطيهم تعاليمه !! في موقف آخر رأيت شابّين قد أعطيا بضع أطفال منهم شطائر مع مشروبات، إرتست الإبتسامة على شفتي، على أساس أنّ أحدهم يتبرّع لهم بطعام.. لكنّني إكتشفت أنّه نفسه الّذي إجتمع معهم في المرّة السّابقة !!

في موقف آخر، كانت بجانبنا سيّارة تقودها فتاة يهوديّة.. رفع الطّفل لها سبّابته (تعرفون ماذا تعني!!) وبحركة سريعة أخرجت من كيسها حبّتي شيكولاطة، فتحت الشّبّاك وإبتسمت له، أعطته وهي بكامل فرحها، صدقًا لقد كانت متحمّسة أكثر منه!! صارت تتحدّث معه بالعبريّة، بعد أن أخذ منها الشيكولاطة.. صاح بها: "روووحي .. مش فاهم عليك إشي !!" ولأنّه قالها بصوت مرتفع ولأنّها لا تفهم العربيّة أيضًا حسبته قد فرح بما أعطته، فإزداد حجم فرحها ثمّ ذهبت ....

ماذا علينا أن نفعل؟
برأيي، لا يجب علينا أن نساعد هؤلاء في الوصول إلى غاية لا نعرفها!! حتّى لو كانت شرعيّة وعاديّة هذا لا يعني بأن نسمح لهم بالإستمرار في عمل كهذا، فلنتوقّف عن إعطائهم المال .. لكن هذا لا يعني أن نصيح في وجوههم ونسبّهم ونشتمهم -كما يفعل البعض- بل نبتسم لهم فقط! وإن حاولوا أن يضعونا في موقف أكثر إحراجًا .. الأطفال ! فعلينا أن نرفض إعطائهم المال أيضًا، نبتسم في وجوههم .. نعطيهم شطيرة، مشروب أو حتّى شيئًا لا يريدونه هم .. شيكولاطة!


...تابع القراءة

17.10.11

مواقف متفرّقة !

* مهرجان الأقصى في خطر 2011

- لا يحقّ لي أن أتكلّم كثيرًا عن برنامج المهرجان، فأنا لم أشاهد منه سوى القليل فقط، فقد كنت مشغولة بتوزيع الكعك والماء.. أن تفعل شيئًا كهذا يفسح لك المجال -كثيرًا- لكي تتعرّف على "جمهور المهرجان"! .. بإبتسامة جميلة تحيي "جمهورك" تدفع إلى إحداهنّ بكيس فيه قطعة من الكعك وقنينة ماء، فتبادر بقولها: "مترقيين!" = صرتوا راقيين، تبتسم إبتسامة سريعة، رغمًا عنك.. أصلًا لا وقت للإبتسام! طابور طويل ينتظرك ... إحدى المتطوّعات أيضًا قالت بأنّ إحداهنّ علّقت عندما سلّمتها الكيس بقولها: "شوو؟؟ سخيتو؟" يعني بالمشرمحي "انتو بخيلين، كيف تجراتوا ووزعتوا كعك!!"   ... يا جماعة [قولوا خيرًا أو إصمتوا] !

- قريبًا من مهرجان الأقصى.. تُقام مهرجانات وقحة (للغاية).. السوق مثلًا! "ملتقى العشّاق" كما أطلقت عليه بعض زميلاتي! ربّما تكون المرّة الأولى الّتي أدخل فيها السّوق.. أو أنّها المرّة الأولى الّتي أرى فيها هذا السّوق بهذه الدّرجة من الوقاحة! عرض أزياء وعرض عضلات .. ! والمنظّمين المساكين يحاولون الفصل.. وعبثًا يحاولون!! زميلتي سمعت إحداهنّ تتحدّث بالهاتف: "آآه وينَك؟؟"  [إذا لم تستحِ فإصنع ما شئت]

* غرباء !

- شعور سخيف حقًّا أن "تتناقش" = تتجادل = تتصارع مع الآخرين على البديهيّات والمسلّمات في ديننا! ليست الموسيقى ولا حتّى الحجاب!! (وهو من البديهيّات)  إنّها أم الكبائر .. الخمرة ! تتحدّث مع ملحد؟ شيوعي؟ علماني؟ لا! بل مع مسلمة تطبّق فريضة الحجاب والجلباب (واو!) .. على فكرة  [العين قويّة على أوامر ربنا بعرفش ليش؟]

- طبعًا الموقف الّذي لا يقلّ تفاهة هو أنّ الآخرين ينتظرون منك إحترام إختلافهم معك، في المقابل عليك أن تذوب وتنصهر فيهم .. أنت لا رأي لك ولا موقف ولا هويّة .. وأنت عليك أنت تكون أكثر إنفتاحيّة وتقبّل !

- قريبًا منّي سمعت فتيات يتحدّثن عن مسلسل تركي.. الأمر لم يكن شيئًا غريبًا -بالمرّة- بالنّسبة لي! فأنا أرى كثيرًا منهنّ يتغزّلن بشكل ذلك الممثل، أو بمدح رومانسيّته، أو موقفه الشّجاع.. طبعًا التّعابير تظهر على وجوههنّ النيّرة .. وتتلألأ الأعين وتظهر الإبتسامة الخجلى (هاي مشان تفوتو بالحدث!!) .. لكن أن يصل الأمر إلى أن تمدح الفتاة قميص النّوم لإحدى الممثّلات، وتختلف وزميلاتها إذا كان مفتوحًا من الظّهر أم لا، ثمّ تشرح -بنفس التّعابير الّتي ذكرتها- لزميلاتها كيف كان يداعب الممثّل شعرها الحريري .... فهذا وضع مثير للقرف وللإشمئزاز والشّفقة أيضًا...!!!





(( لا يُشرقُ الفجرُ إلّا في دُجى الظّلمِ )) 
...تابع القراءة

2.10.11

عندما تكون (متديّنًا) ..

ماذا يعني أن تكون متديّنًا؟ ليس معنى ذلك أن تختلف معهم بإطلاق لحيتكَ أو إرتدائكِ لنقاب أو خمار طويل! لا يعني ذلك بأنّ لقيام اللّيل نصيب في صلاتك، ولا بأنّك تمتنع عن طعام وشراب تطوّعًا في حين يستلذّ الآخرون بها، ولا أن تكون أكثر منهم تسبيحًا وتهليلًا وذكرًا للمولى، كلّا ...!  إنّها إختلافات تصل إلى حدّ الإعتقاد والفكر، حدّ الكفر والإيمان، حدّ أن تكون مسلمًا أو لا تكون، حدّ أن تحبّ الإسلام أو لا تحبّه !!!



شخصيًّا حصلتُ على لقب "متديّنة" أو ما يرافقها من مرادفات أخرى (حجة وشيخة..) عندما إرتديت الحجاب في الإبتدائيّة.. لم يكن حينها شيئًا عاديًّا أن "تخنق" طفلة صغيرة نفسها بالحجاب .. لذلك فقد كان مجرّد إرتدائي للحجاب داعيًا لحصولي على لقب "متديّنة" وبكل سهولة..! ولكي أحصل على هذا اللّقب العظيم كان عليّ أن أدفع الثّمن ... إنّه صراع بين ما يطلبه أساتذتي ومعلّماتي وما يطلبه ديني منّي! لم يكن شيئًا سهلًا عليّ أن أقنع "أستاذ الدّين" بأنّني لا أريد أن أجلس بجانب زميلي في الإمتحان.. ولم يكن شيئًا بسيطًا أن أتناقش و"آخذ وأعطي" مع معلّمتي لأقنعها أنّ لعبة "إختيار ولد ليجلس بجاني" لعبة سخيفة .. وهي لا تكسر خجلي بل "تطبّشُ" حيائي .. ليس سهلًا أن أجلس -وبكل قناعة- لأرفض فكرة تعلّمي لدرس الرّياضة مع الأولاد .. وأستاذي يتحيّن اللّحظة لإستفزازي أو الصّراخ في وجهي !! ..

عندما دخلت الإعدادية.. تنفّستُ الصّعداء قليلًا! رغم أنّني كنتُ "غريبة" نوعًا ما.. "مجلببة" وسط "محجبات مع بنطال" .. إلّا أنّني أستطيع أن أقول بأنّ هذا اللّقب -متديّنة- ساعدني في أن أعطي صورة حسنة عن نفسي، في الوقت الّذي يُشكّ  في "شرف" فتاة لمجرّد حديثها مع زميلها مثلًا، كان لقب "متديّنة" يحافظ على أن يُعطى مبرّرات لحديثي مع زملائي... لكنّ الثمن غال ! أن تكون متديّنًا في "مراهقتك" ليس شيئًا سهلًا، صراع بين هواكَ وبين ما يطلبه دينك! بين بيئتك المدرسيّة "شبه المنحلّة" - كانت بعض الفتيات لا تخجل من أن ترفع صوتها وسط الجميع وهي تقول لزميلها: "عندما إتصلتُ فيك البارحة ....."!!!- وبين البيئة في بيتك المتدّين .. بين أن تقرّر وتقول للآخرين: لا أريد! وبين أن تستسلم لهم خوفًا من أن ينعتوك بالمتخلّف والمعقّد صاحب المشكلات النّفسيّة العويصة!!

حتّى الآن كنتُ أعتقد بأنّ لباسي فقط هو الّذي يجعل الآخرين يعتقدون بأنّني "متديّنة" ... عند دخولي الثّانويّة -الّتي يكثر فيها المحجبّات حجابًا كاملًا- كنتُ فتاة عاديّة ..أشبههن! لكنّني مع الوقت أصبحتُ معرّفة عند البعض ضمن "قائمة المتديّنين".. حينها وصلتُ إلى قناعة بأنّ الدّين ليس صلاة ولا حجابًا فحسب .. بل هو حياة متكاملة لا تتجّزأ ولا تتناقض ..


عندما تكون متديّنًا أنتَ لست شاذًّا، بل أنتَ غريب وسط شواذ (فطوبى لك!)  ..
عندما تكون متديّنًا تشعر في أحايين كثيرة بأنّ هذا المكان ليس مكانك.. وهذا الزّمان ليس زمانك وأنت في تحدّ شرس: "أن تكون مسلمًا أو لا تكون!" .. لكن مهما حاولنا إعطاء تبريرات لأنفسنا.. الزّمان زماننا والمكان مكاننا ..
ونحن نريد: إسقاط كلّ هذا المجون والتّخلف الّذي يحيط بنا ..!


(( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ))

((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))

...تابع القراءة