27.12.10

لماذا نرفض "الدّيموقراطيّة الإسلاميّة"؟

قبل فترة، كنتُ أسمع عن الدّول الدّيموقراطيّة والإشتراكيّة والعلمانيّة والشّيوعيّة والرأسماليّة، والإسلاميّة كذلك! لكن الآن دخل مصطلح جديد إلى هذه القائمة الطّويلة،  ألا وهو "الدّيموقراطيّة الإسلاميّة"، وصدقاً بأنّني لم أرتح إلى هذا المصطلح الغريب العجيب، وكما كانت تقول إحدى صديقاتي الحكيمات "المصطلحات تعبّر عن المكنونات"، ولأنّ هناك من هو أعلم منّي في هذه المواضيع الفكريّة العميقة، إقتبستُ لكم بعضاً من كتاب "الحل الإسلاميّ فريضة وضرورة" للدّكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، رداً على من كلّ من ينادي "بالدّيموقراطيّة الإسلاميّة"!!


لا يكون الحلّ إسلاميّاً إلّا إذا أخذ بإسم الإسلام، وتحت عنوان الإسلام، ولو إفترضنا -وفرض المستحيل جائز كما يُقال- أنّ قوماً حكموا أو حُكموا بتعاليم وشرائع توافق تعاليم الإسلام وشرائعه فعلاً، ولكنّهم أطلقوا عليها أسماء وعناوين أخرى، ولتكن الدّيموقراطيّة أو الإشتراكيّة أو الرأسماليّة مثلاً، هل نعدّ حكم هؤلاء حكماً إسلاميّاً؟ لا، ثمّ لا!

إنّ الله -تعالى- تعبدنا بأحكام هذا الدّين، فلا بدّ أن نشعر في كلّ أمر ننفذه منها أنّنا نحكم لدينه، ونعمل بهديه، لنفوز برضوانه -سبحانه- ومثوبته.ولا بدّ أن نتعزّ بهذا المنهج الّذي أكرمنا الله -تعالى- به، وهدانا إليه، ومن هنا قال تعالى "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" ولا عجب أن يطلب القرآن هذا الإعلان، فإنّه نوع من المغالاة والإعتزاز بالمبدأ، وهو أمر لازم لتربية الأمم الّتي تقوم على نظام فكري(ايديولوجي) مستقلّ.

إنّ وضع عنانوين غير إسلاميّة -كالإشتراكيّة والدّيموقراطيّة- للنّظام الإسلاميّ، يتضمنّ عدّة مخاطر ومحاذير:

أوّلها: هو الإعتراف لهذه المبادئ بالسموّ والكمال، بحيث ينسب الإسلام إليها، ويدخل تحت عنوانها، فيصبح الإسلام تابعاً لا متبوعاً، وذيلاً لا رأساً، والإسلام من شأنه أن يعلو ولا يُعلى، لأنّه كلمة الله، وكلمة الله هي العليا.

ثانيها: إقتضاء هذه المفاهيم إبراز جانب معيّن في الإسلام وتضخيمه على حساب جانب آخر أو جوانب أخرى، فالإشتراكيّة تعني إبراز الجانب الإقتصاديّ، وخاصّة جانب العدالة في التّوزيع، والدّيموقراطيّة تعني إبراز الجانب السّياسيّ، وخاصّة جانب الشّعب، وحقّه في إختيار حاكمه ومحاسبته وتقويمه وعزله، ولكنّ نظام الإسلام ليس إقتصادً فقط، ولا سياسة فقط، ولا عبادات فقط، ولكنّه يشمل الإقتصاد والسّياسة، والأسرة والمجتمع، ويمشل ماديّات ومعنويّات، ويضمّ الدّين والدّنيا معاً.

ثالثها: تعريض القيم الإسلاميّة للتغيّر والهزّات، حيث تصبح كالعملة في الأسواق الحرّة في صعود وهبوط، فإذا راجت الرّأسماليّة قام قوم ينادون بأنّ الإسلام رأسماليّ، ويجب إباحة الرّبا، وتبرير الإحتكار والبنوك وغيرها، وإذا نفقت سوق الإشتراكيّة، قام قوم آخرون ينادون بأنّ الإشتراكيّة من الإسلام، أو الإسلام من الإشتراكيّة، ويدعون إلى "التّأميم" المطلق وإلى غيره من بدع الإشتراكيّة.

رابعها: تبنّي هذه المبادئ أو المفاهيم الكليّة، يتبعه -عادة- إنحراف في فهم الإسلام، يتمثّل في تطويعه للأفكار الجديدة، فالّذي يتبنّى الإشتراكيّة يجد في نقاط إلتقاء معها، كمحاربة التّرف والسّرف، وإشراك النّاس في ضروريّات الحياة، ومنع تملّكها للأفراد، وإنصاف الطّبقات الضّعيفة، والحرص على أجور عادلة للعمّال، ونحوها... ولكنّه يجد حرصاً من الإسلام على حماية الملكيّة الخاصّة المشروعة، وتحريم مصادرةالأموال بغير حقّ، فيلجأ من هنا إلى التّعسّف في تأويل النّصوص، وتحريف الأحكام، لتوافق مذهبه الّذي تبنّاه.

خامسها: أنّ هذه العناوين والمصطلحات الفكريّة والإجتماعيّة -كمصطلح الإشتراكيّة- ليس له مدلول محدد، يمكن معرفته وضبطه والرّجوع إليه، ولكنّه يُفسّر بأكثر من تعريف، ويخضع للتغيير والتّحوير.
 يقول الأستاذ "تاوني" : (( إن الإشتراكيّة- كغيرها من التّعبيرات المختلفة للقوى السّياسيّة المركّبة - كلمة لا تختلف في مدلولاتها من جيل إلى جيل فحسب، بل من حقبة إلى حقبة. )) ويقول الأستاذ "نورماندي ماكنزي" في "موجز تاريخ الإشتراكيّة" : (( إنّ الإشتراكيّة كلمة عامّة، وإنّها تعني أشياء مختلفة، عند أناس مختلفين، حتّى إنّ معانيها قد بلغت المائتين في بريطانيا وحدها. ))
ولهذا نجد تبايناً واضحاً، لإتّجاهات الإشتراكيّة، ما بين معتدلة ومتطرّفة، وديموقراطيّة وثوريّة، ومثاليّة وعلميّة، وفابيّة وماركسيّة، بل رأينا دعاة الإشتراكيّة الواحدة يتناقضون ويتصارعون، كما نشاهد بين الرّوس والصّينيين، وكلاهما إشتراكي ماركسي لينيني.

سادسها: أنّ هذه المذاهب ذات العناوين المعروفة لها خطّ غير خطّ الإسلام، وهدف غير هدف الإسلام، فهي إن إلتقت معه في بعض الأمور الجزئيّة والفرعيّة، ستخالفه في كثير من الكليّات والأصول الجوهريّة، وحسبنا أنّها كلمة تعني بأمر الدّنيا وحدها، غير حاسبة أيّ حساب لأمر الآخرة، كما لا يعنيها من أمر الدّنيا إلّا الجانب الماديّ وما يتّصل به ويوثّر فيه، أمّا جانب الرّوح، فليس له في تقديرها وفلسفتها إعتباراً يُذكر، حتّى المذاهب الّتي لا تقوم فلسفتها على الإلحاد الصّريح، نراها لا تعير هذا الأمر كبير إلتفات.

وبهذا نتبيّن أن من التّناقض الّذي لا يقبل منطق أن نجعل مثل هذه المصطلحات عنواناً للإسلام ونظامه الفريد، إلّا أن يكون ذلك من باب الرّخضة أو الضّرورة في مرحلة التّحوّل إلى الإسلام الخالص، فهنا تقدّر الضّرورة بقدرها.


...تابع القراءة

25.12.10

المراة، ما بين المطرقة والسّندان!

بسم الله الرّحمن الرّحيم

طلب منّا أستاذ اللّغة العربيّة أن نكتب "موضوعاً إنشائياً حراً"، وكنت أودّ أن آخذ موضوع "هل المراة= الرّجل؟" وأطرحه للنّقاش، لكنّني فضّلت أن أكتب موضوعاً آخر، قريب بعض الشّيء من سابقه، وقد إقتبست بعض الأفكار والمقولات منه، ولأنّ الخمول والكسل بدأ يطفو على هذه المدوّنة حاولت إنعاش مدوّنتي بهذا المقال، علّه ينال إعجابكم :)



يقولون بأنّ المراة نصف المجتمع، ويقولون أيضاً أنّها نصف الأمّة الّتي تلد النّصف الآخر، فإذاً هي الأمّة بأسرها!
إذا أردنا أن نقيّم مجتمعاً من المجتمعات فعلينا أن ننظر إلى المرأة، ذلك أنّها مربية الأجيال وعمود المجتمع، وهي الّتي تجعل من البيت جنّة أو جحيماً !
في موضوع "المراة" تحدّثوا كثيراً، تحدّثوا بإسم الدّين، بإسم العادات والتّقاليد، وبإسم "الفكر الغربي" كذلك! والمراة في حيرة وتخبّط! لا تدري في أيّ من تلك التّوجهات تجد سعادتها!؟

في مرحلة متقدّمة أصبح إسم الدّين ملازماً للعادات والتّقاليد العربيّة، فإن قالوا "عيب" تلا ذلك "حرام" وإن قالوا "عادات" تلا ذلك "تعاليم" مع أنّ الموقف الإسلاميّ بعيد كلّ البعد عن عاداتنا العربيّة في مجالات شتّى!

تقاليدنا العربيّة جعلت من المراة لعبة في مسرح الدّمى، تحرّكها أيادٍ خفيّة للوصول إلى "مبتغاها"! حرمت المراة من بعض حقوقها، ونعتت المراة بأبشع الألفاط لمجرّد شيء بسيط! في عاداتنا العربيّة قاعدة تقول: "المراة كالمرآة إذا لامستها نسمة هواء تتسخ!" وأنا أقول أيصعب تنظيف المرآة إن إتّسخت؟! لا أدعو إلى الحريّة المطلقة، ولا أدعو إلى أن تفعل الفتاة أو المراة ما يحلو لها، ولكن أليس يجب أن تكون عقوبة المراة كعقوبة الرّجل؟ ففي ديننا السّارق كما السّارقة، والقاتل كما القاتلة، والزّاني كذلك كما الزّانية! فبأيّ حق يُسمح أن تعاقَب المراة ولا يعاقَب الرّجل؟

ومع كلّ تلك التّساؤلات تأتي موجة غربيّة علينا لتنادي بالحريّة، لا، إنّها ليست بحريّة إنّها العبوديّة في أبهى حلّتها! تنادي تلك الجمعيّات بنبذ كلّ ما له علاقة بديننا وعاداتنا، ويعلو صوت نعيقها شيئاً فشيئاً، حتّى وصل الأمر إلى أن ينضمّ أبناء جلدتنا إلى تلك الأفكار الغربيّة، إنّه الفكر الّذي يدعو إلى جعل المرأة سلعة تباع وتشترى، وجسداً لإغراء المستهلكين، ودمية ملطّخة بألوان الطّيف، وعقلاً لا يفقه إلّا في الملابس والموضة والماكياج! وأفكار متمرّدة، على أساس أنّ ذلك كلّه من أجل الحريّة، ومن أجل كسر كلّ القيود الدّينيّة والإجتماعيّة على حدّ تعبيرهم!


 وأمام كلّ تلك المشاكل، يحقّ لنا أن نتسائل: ما هو الحلّ لتلك المعضلات؟ ويكون جواباً بديهيّاً لكلّ مسلم! إنّه ديننا الّذي أعطى للمراة حقوقها وصان شرفها وعرضها وألزم الرّجل بالبحث عن الرّزق من أجلها، وحمايتها والحفاظ على حياتها، إنّهنّ النّساء اللاتي قال فيهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ما أكرمهنّ إلّا كريم وما أهانهنّ إلّا لئيم"، إنّهنّ النّساء شقائق الرّجال وصانعات الأبطال، فمتى نعرف قدر المراة حتّى يصل مجتمعنا إلى الرّقي المنشود؟


...تابع القراءة

10.12.10

من أين تبدأ النّهضة؟


مصطلح "النّهضة" ليس غريباً عليكم، سيّما وأنّه أصبح الحديث الشّاغل لدى شريحة معيّنة من الشّباب والفتيات، وإن كان مفهوم النّهضة وتعريفها وطرق الوصول إليها يختلف بين فرد وآخر، لكن حسب ما أرى فإنّ هناك إتّفاقاً واضحاً حول أنّ الأمّة الإسلاميّة في وضع لا يُحسد عليه، وهي تحتاج إلى تلك النّهضة الشّبابيّة لتقوم وتنهض من جديد، ليس ذلك محاولة لإحباطكم وإنّما هو إعتراف علينا البوح به بطريقة أو بأخرى.

{تعالوا نتّفق!} 

لأنّنا مسلمون فمن الأولى أن تكون نهضتنا إسلاميّة مستمدّة من القرآن الكريم والسّنة النّبويّة الشّريفة، ولأنّ الله تعالى لم يخلقنا إلّا لنعبده فلنجعل نهضتنا عبادة، لا حاجة لأن نتستّر خلف مسميّات أخرى ونخجل من مبادئنا، والعبادة الّتي أقصدها ليست بالضّرورة أن تكون بين صلاة وصوم وحجاب، بل حياة كاملة غير متناقضة في أجزائها، فديننا لا يقتصر على صلاة وصوم فقط، بل إنّ السّياسة والإقتصاد والإجتماع والمعاملات والأخلاقيّات كلّها يجب أن تكون مستمّدة من ديننا الحنيف، ذلك أنّه دين شمولي كامل، وإن كنّا نتحدّث عن النّهضة الإسلاميّة فالنّهضة الإسلاميّة أيضاً عبادة، ومن هنا علينا وقبل أن ننادي بتلك النّهضة، أن نضع النّقاط على الحروف، ونرسم خطوطاً عريضة حول ما ننادي به، وأنا آمل من كلّ مسلم عاقل أن يؤمن أنّ النّهضة لن تكون سليمة إلّا إذا كانت مقرونة بديننا الحنيف.

{من أين تبدأ النّهضة؟}

طيّب! وماذا بعد؟ الإجابة على سؤالنا (من أين تبدأ النّهضة؟) لا زالت مبهمة، حسناً نهضتنا إسلاميّة، لكن ما هي الخطوة الأولى لنهضة الأمّة؟ فكما ذكرتُ سابقاً وضع الأمّة الإسلاميّة وضع لا يُحسد عليه، إن كان الحديث من ناحية دينيّة، أو من ناحيّة أخلاقيّة تربويّة، أو حتّى من ناحية فكريّة ثقافيّة، فأيّ تلك النّواحي الأولى بالنّهوض من غيرها، لاحظتُ في الآونة الأخيرة بأنّ هناك تركيزاً شديداً على النّاحية الفكريّة الثّقافيّة، وإن كنتُ أرى أنّ هناك ما هو أولى منها في الفترة الحاليّة، فنحن ليس من أهدافنا أن يكون شباب الأمّة مثقّفين ولديهم باع طويل في قراءة الكتب لكنّهم في الوقت نفسه يتخاذلون عن صلاة الفجر! وليس من أهدافنا أن تكون فتيات الأمّة خرّيجات جامعات ومعاهد عليا وهنّ لا زلن لا يرتدين الحجاب! فنحن يجب أن نبدأ بالأولى دون غيره، وما أقوله ليس بمعنى أن نترك قراءة الكتب ونترك المعاهد والجامعات ونعتكف في المسجد طيلة حياتنا، فليس ذلك ما يريده الإسلام منّا! لكن في وقتنا الحاليّ نهضة الأمّة تبدأ تحديداً في المحافظة على الصّلوات خاصّة صلاة الفجر، وهناك مقولة جميعنا يعرفها يقولها أعدائنا "لن ينتصر المسلمون علينا، حتّى تمتلأ مساجدهم في صلاة الفجر كما تمتلأ مساجدهم في يوم الجمعة"، فنحن لو بقينا نقرأ ونتثقّف ونتعلّم ونستمع إلى المحاضرات ونكتب التّدوينات وننادي ونصيح ... وشباب الأمّة وفتياتها لا يزالون يتخاذلون عن صلاة الفجر، فإنّنا يا أخوتي، لن ننتصر، لن ننتصر، لن ننتصر!!

...تابع القراءة