قبل فترة، كنتُ أسمع عن الدّول الدّيموقراطيّة والإشتراكيّة والعلمانيّة والشّيوعيّة والرأسماليّة، والإسلاميّة كذلك! لكن الآن دخل مصطلح جديد إلى هذه القائمة الطّويلة، ألا وهو "الدّيموقراطيّة الإسلاميّة"، وصدقاً بأنّني لم أرتح إلى هذا المصطلح الغريب العجيب، وكما كانت تقول إحدى صديقاتي الحكيمات "المصطلحات تعبّر عن المكنونات"، ولأنّ هناك من هو أعلم منّي في هذه المواضيع الفكريّة العميقة، إقتبستُ لكم بعضاً من كتاب "الحل الإسلاميّ فريضة وضرورة" للدّكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، رداً على من كلّ من ينادي "بالدّيموقراطيّة الإسلاميّة"!!
لا يكون الحلّ إسلاميّاً إلّا إذا أخذ بإسم الإسلام، وتحت عنوان الإسلام، ولو إفترضنا -وفرض المستحيل جائز كما يُقال- أنّ قوماً حكموا أو حُكموا بتعاليم وشرائع توافق تعاليم الإسلام وشرائعه فعلاً، ولكنّهم أطلقوا عليها أسماء وعناوين أخرى، ولتكن الدّيموقراطيّة أو الإشتراكيّة أو الرأسماليّة مثلاً، هل نعدّ حكم هؤلاء حكماً إسلاميّاً؟ لا، ثمّ لا!
إنّ الله -تعالى- تعبدنا بأحكام هذا الدّين، فلا بدّ أن نشعر في كلّ أمر ننفذه منها أنّنا نحكم لدينه، ونعمل بهديه، لنفوز برضوانه -سبحانه- ومثوبته.ولا بدّ أن نتعزّ بهذا المنهج الّذي أكرمنا الله -تعالى- به، وهدانا إليه، ومن هنا قال تعالى "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" ولا عجب أن يطلب القرآن هذا الإعلان، فإنّه نوع من المغالاة والإعتزاز بالمبدأ، وهو أمر لازم لتربية الأمم الّتي تقوم على نظام فكري(ايديولوجي) مستقلّ.
إنّ وضع عنانوين غير إسلاميّة -كالإشتراكيّة والدّيموقراطيّة- للنّظام الإسلاميّ، يتضمنّ عدّة مخاطر ومحاذير:
أوّلها: هو الإعتراف لهذه المبادئ بالسموّ والكمال، بحيث ينسب الإسلام إليها، ويدخل تحت عنوانها، فيصبح الإسلام تابعاً لا متبوعاً، وذيلاً لا رأساً، والإسلام من شأنه أن يعلو ولا يُعلى، لأنّه كلمة الله، وكلمة الله هي العليا.
ثانيها: إقتضاء هذه المفاهيم إبراز جانب معيّن في الإسلام وتضخيمه على حساب جانب آخر أو جوانب أخرى، فالإشتراكيّة تعني إبراز الجانب الإقتصاديّ، وخاصّة جانب العدالة في التّوزيع، والدّيموقراطيّة تعني إبراز الجانب السّياسيّ، وخاصّة جانب الشّعب، وحقّه في إختيار حاكمه ومحاسبته وتقويمه وعزله، ولكنّ نظام الإسلام ليس إقتصادً فقط، ولا سياسة فقط، ولا عبادات فقط، ولكنّه يشمل الإقتصاد والسّياسة، والأسرة والمجتمع، ويمشل ماديّات ومعنويّات، ويضمّ الدّين والدّنيا معاً.
ثالثها: تعريض القيم الإسلاميّة للتغيّر والهزّات، حيث تصبح كالعملة في الأسواق الحرّة في صعود وهبوط، فإذا راجت الرّأسماليّة قام قوم ينادون بأنّ الإسلام رأسماليّ، ويجب إباحة الرّبا، وتبرير الإحتكار والبنوك وغيرها، وإذا نفقت سوق الإشتراكيّة، قام قوم آخرون ينادون بأنّ الإشتراكيّة من الإسلام، أو الإسلام من الإشتراكيّة، ويدعون إلى "التّأميم" المطلق وإلى غيره من بدع الإشتراكيّة.
رابعها: تبنّي هذه المبادئ أو المفاهيم الكليّة، يتبعه -عادة- إنحراف في فهم الإسلام، يتمثّل في تطويعه للأفكار الجديدة، فالّذي يتبنّى الإشتراكيّة يجد في نقاط إلتقاء معها، كمحاربة التّرف والسّرف، وإشراك النّاس في ضروريّات الحياة، ومنع تملّكها للأفراد، وإنصاف الطّبقات الضّعيفة، والحرص على أجور عادلة للعمّال، ونحوها... ولكنّه يجد حرصاً من الإسلام على حماية الملكيّة الخاصّة المشروعة، وتحريم مصادرةالأموال بغير حقّ، فيلجأ من هنا إلى التّعسّف في تأويل النّصوص، وتحريف الأحكام، لتوافق مذهبه الّذي تبنّاه.
خامسها: أنّ هذه العناوين والمصطلحات الفكريّة والإجتماعيّة -كمصطلح الإشتراكيّة- ليس له مدلول محدد، يمكن معرفته وضبطه والرّجوع إليه، ولكنّه يُفسّر بأكثر من تعريف، ويخضع للتغيير والتّحوير.
يقول الأستاذ "تاوني" : (( إن الإشتراكيّة- كغيرها من التّعبيرات المختلفة للقوى السّياسيّة المركّبة - كلمة لا تختلف في مدلولاتها من جيل إلى جيل فحسب، بل من حقبة إلى حقبة. )) ويقول الأستاذ "نورماندي ماكنزي" في "موجز تاريخ الإشتراكيّة" : (( إنّ الإشتراكيّة كلمة عامّة، وإنّها تعني أشياء مختلفة، عند أناس مختلفين، حتّى إنّ معانيها قد بلغت المائتين في بريطانيا وحدها. ))
ولهذا نجد تبايناً واضحاً، لإتّجاهات الإشتراكيّة، ما بين معتدلة ومتطرّفة، وديموقراطيّة وثوريّة، ومثاليّة وعلميّة، وفابيّة وماركسيّة، بل رأينا دعاة الإشتراكيّة الواحدة يتناقضون ويتصارعون، كما نشاهد بين الرّوس والصّينيين، وكلاهما إشتراكي ماركسي لينيني.
سادسها: أنّ هذه المذاهب ذات العناوين المعروفة لها خطّ غير خطّ الإسلام، وهدف غير هدف الإسلام، فهي إن إلتقت معه في بعض الأمور الجزئيّة والفرعيّة، ستخالفه في كثير من الكليّات والأصول الجوهريّة، وحسبنا أنّها كلمة تعني بأمر الدّنيا وحدها، غير حاسبة أيّ حساب لأمر الآخرة، كما لا يعنيها من أمر الدّنيا إلّا الجانب الماديّ وما يتّصل به ويوثّر فيه، أمّا جانب الرّوح، فليس له في تقديرها وفلسفتها إعتباراً يُذكر، حتّى المذاهب الّتي لا تقوم فلسفتها على الإلحاد الصّريح، نراها لا تعير هذا الأمر كبير إلتفات.
وبهذا نتبيّن أن من التّناقض الّذي لا يقبل منطق أن نجعل مثل هذه المصطلحات عنواناً للإسلام ونظامه الفريد، إلّا أن يكون ذلك من باب الرّخضة أو الضّرورة في مرحلة التّحوّل إلى الإسلام الخالص، فهنا تقدّر الضّرورة بقدرها.









